كشفت تقارير عسكرية عن قيام الصين ببناء غواصة هجومية تعمل بالطاقة النووية ومزودة بصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت، مما قد يشكل تحديا استراتيجيا لنشر الولايات المتحدة لنظام الصواريخ "تايفون" في الفلبين، ووفقا لما أوردته صحيفة South China Morning Post استنادا إلى منشور عسكري شبه رسمي، يجري تطوير هذه الغواصة حاليا في أحد أحواض بناء السفن بمدينة ووهان، كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى مواجهة التوسع العسكري الأمريكي في منطقة المحيط الهادئ.
رصد الغواصة عبر صور الأقمار الصناعية
أظهرت صورة التقطتها أقمار Maxar الصناعية في 10 مارس 2024 غواصة من طراز "Zhou" راسية على الرصيف. وعلى الرغم من عدم تأكيد جيش التحرير الشعبي الصيني رسميا لوجود هذه الغواصة، فقد نشرت مجلة Naval & Merchant Ships، التابعة لمؤسسة بناء السفن الصينية الحكومية (CSSC)، تفاصيل حول تصميمها ودورها المحتمل، وأشارت المجلة إلى أن الهدف الأساسي من المشروع هو تعزيز قدرة الصين على الردع داخل "سلسلة الجزر الأولى"، وهي منطقة استراتيجية تمتد من اليابان إلى الفلبين.
مواجهة نظام "تايفون" الأمريكي في الفلبين
جاء هذا التطور بعد نشر الولايات المتحدة منصات إطلاق صواريخ "تايفون" في جزيرة لوزون الفلبينية خلال تدريبات عسكرية مشتركة في أبريل 2024. وتتميز هذه المنظومة بقدرتها على إطلاق صواريخ طويلة المدى قادرة على ضرب أهداف في الصين وروسيا وكوريا الشمالية، مما يغير ميزان القوى العسكرية في المنطقة، وقد عبرت الصين عن معارضتها الشديدة لهذا الانتشار، واصفة هذه الصواريخ بأنها أسلحة هجومية تشكل تهديدا لأمنها القومي، في حين تؤكد الولايات المتحدة أن هدفها هو ردع التهديدات المحتملة وحماية حلفائها.
قدرات الغواصة الصينية الجديدة
تتمتع الغواصة قيد التطوير بقدرات متقدمة، إذ تم تصميمها لحمل صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت، مما يمنحها القدرة على تنفيذ ضربات دقيقة على مسافات بعيدة واختراق الدفاعات المعادية، ووفقا للمعلومات المتاحة، قد تكون الغواصة قادرة على حمل رؤوس نووية، مما يعزز قدرة الصين على مواجهة الأصول العسكرية الأمريكية في غرب المحيط الهادئ، وإذا دخلت الخدمة فمن المحتمل أن تلعب دورا رئيسيا في العقيدة البحرية الصينية، التي تركز على التخفي والردع والقتال غير المتماثل.
تصميم متطور وتقنيات حديثة
تم رصد الغواصة لأول مرة في منتصف عام 2024 عبر صور الأقمار الصناعية من حوض بناء السفن في ووهان، بمقاطعة هوبي، ويرجح المحللون أنها تنتمي إلى فئة "Zhou" (المعروفة أيضا باسم Type 041)، والتي لفتت الأنظار بعد حادثة غرق أول وحدة منها خلال مرحلة التجهيز في مايو أو يونيو 2024 في حوض Wuchang لبناء السفن على نهر يانغتسي.
وتشير التقييمات العسكرية الأمريكية إلى أن هذه الغواصة مزودة بنظام دفع هجين يجمع بين الطاقة النووية والديزل-الكهربائي، مما يمنحها مدى تشغيليا أكبر ومرونة استراتيجية محسّنة، كما تتميز بمنظومة إطلاق عمودية (VLS) تتيح لها إطلاق الصواريخ الجوالة والصواريخ الباليستية المضادة للسفن، ما يزيد من قوتها النارية وسرعة استجابتها التكتيكية.
إضافة إلى ذلك تستخدم الغواصة زعانف خلفية على شكل "X" لتحسين القدرة على المناورة وتعزيز الأمان التشغيلي، خاصة في البيئات البحرية العميقة، كما أنها مزودة بنظام دفع مستقل عن الهواء (AIP)، مما يقلل حاجتها إلى الصعود إلى السطح للحصول على الأوكسجين، ما يجعل من الصعب اكتشافها وتعقبها.
تأثير استراتيجي في بحر الصين الجنوبي
نظرا لاستمرار الصين في تعزيز وجودها العسكري في بحر الصين الجنوبي، فإن امتلاك غواصة ذات قدرات تخفٍ متقدمة يمكن أن يمنحها ميزة استراتيجية كبيرة، فالطبوغرافيا البحرية للمنطقة، التي تشمل الشعاب المرجانية والرمال البحرية والخنادق العميقة والجزر، توفر بيئة مثالية لعمليات الغواصات غير المكتشفة.
ويرى الخبراء أن هذه الغواصة، سواء عملت منفردة أو ضمن تشكيلات صغيرة، قد تجبر الخصوم على إعادة توزيع قواتهم البحرية تحسبا لتهديد غير متوقع تحت الماء، وهو ما يتماشى مع استراتيجية الردع غير المتكافئة التي تعتمدها الصين لمواجهة الخصوم المتفوقين تقنيا بوسائل غير تقليدية.
الصاروخ "YJ-21" وسلاح الردع الصيني
بحسب التقارير، فإن الغواصة ستُزوَّد بصواريخ "YJ-21" فرط الصوتية، التي تستخدمها أيضا الغواصات النووية الهجومية الصينية من طراز Type 093 والمدمرات من فئة Type 055. ويصل مدى هذه الصواريخ إلى ما بين 1,500 و2,000 كيلومتر، بينما تبلغ سرعتها القصوى Mach 10، مما يمنح البحرية الصينية قدرة هجومية متقدمة ضد الأهداف البحرية والبرية. ويعكس ذلك جهود بكين المستمرة لدمج تقنيات الصواريخ فرط الصوتية في قواتها البحرية، مما قد يعيد تشكيل ميزان القوى في غرب المحيط الهادئ.
سباق التسلح بين الصين والولايات المتحدة
يتزامن تطوير هذه الغواصة مع تصاعد حدة التوترات بين بكين وواشنطن، خاصة بعد الانتشار العسكري الأمريكي المتزايد في المنطقة، فقد انتقدت الصين بشدة نشر منظومة "تايفون" في الفلبين، مطالبة بإزالتها بحجة أنها تزعزع استقرار الأمن الإقليمي، في المقابل تواصل الولايات المتحدة تعزيز شبكتها العالمية للدفاع الصاروخي، وتدرس نشر المزيد من أنظمة "تايفون" في اليابان وألمانيا والدنمارك، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى الحد من تحركات الأسطول الصيني.
مستقبل الغواصة ودورها في الصراع الإقليمي
في ظل تزايد عسكرة بحر الصين الجنوبي، قد يصبح هذا الممر البحري نقطة اختبار رئيسية للغواصة الصينية الجديدة، فبفضل عمقه الذي يتجاوز 1,200 متر وتضاريسه المعقدة يمثل هذا البحر بيئة مثالية للعمليات السرية تحت الماء. وإذا نجحت الغواصة في التملص من عمليات المراقبة، فقد تعزز بشكل كبير قدرة الصين على فرض نفوذها وردع الأنشطة العسكرية الأجنبية في مياهها الإقليمية.
ورغم أن الجيش الصيني لم يؤكد رسميا وجود هذه الغواصة، إلا أن التفاصيل التي نشرتها المصادر الصينية شبه الرسمية تشير إلى أنها قيد التطوير. وإذا دخلت الخدمة، فقد تحدث تحولا كبيرا في القدرات البحرية الصينية، خاصة في مواجهة القوات الأمريكية وحلفائها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ويعكس هذا المشروع تصاعد المنافسة الاستراتيجية بين الصين والولايات المتحدة، في وقت تستمر فيه الدولتان في تعزيز وجودهما العسكري في المياه المتنازع عليها في المحيط الهادئ.