أكلة النمل وتاريخ تطورها المتكرر عبر العصور

النمل أقوى مما تتخيل.. فقد غير مسار تطور الثدييات 12 مرة النمل أقوى مما تتخيل.. فقد غير مسار تطور الثدييات 12 مرة

رغم أن النمل والنمل الأبيض لا يبدوان شهيين للبشر، فقد أثبتا أنهما من أكثر الأطعمة تأثيرا في تطور الثدييات، كشفت دراسة جديدة أن الثدييات التي تعتمد كليا على هذين النوعين من الحشرات قد تطورت بشكل مستقل أكثر من 12 مرة خلال الـ66 مليون سنة الماضية منذ انقراض الديناصورات.

وإن هذا النمط من التطور المستقل، المعروف باسم التطور التقاربي، يشير إلى أن عددا من الثدييات، مثل آكل النمل والبانغولين والآردفارك، طورت استراتيجيات متشابهة للبقاء في بيئات يغزوها النمل، رغم اختلافها الجيني والأحيائي.

انقراض الديناصورات مهد الطريق لآكلات النمل

فوفقا للبحث المنشور في مجلة Evolution العلمية، لعب حدث الانقراض الجماعي الذي أنهى العصر الطباشيري دورا محوريا في صعود الثدييات آكلة النمل، أو ما يعرف بـ"الميرميكوفاجات"، فبعد زوال الديناصورات، تغير التوازن البيئي بشكل جذري ما أتاح فرصة لنمو الحشرات الاجتماعية كالنمل والنمل الأبيض، إن هذا الانتشار الواسع وفر موردا غذائيا وفيرا، ومن هذا المنطلق ظهرت عدة أنواع من الثدييات طورت أنظمة غذائية وهيكلية تتماشى مع التهام هذه الحشرات بكفاءة.

ويشير المؤلف الرئيسي للدراسة فيليب باردن الباحث في علم الأحياء التطوري وفي معهد نيوجيرسي للتكنولوجيا، إلى أن بعض الكائنات واجهت هذه الحشرات بأسلحة دفاعية، بينما اعتمدت كائنات أخرى نهجا مغايرا وهو "إذا لم تستطع هزيمتهم، فكلهم"، ويضيف أن تغير البيئات الحياتية بعد الانقراض الكبير هو ما أتاح لتلك الأنواع أن تزدهر.

صفات جسدية متقدمة وعدد محدود من الأنواع المتخصصة

ورغم أن أكثر من 12 سلالة من الثدييات طورت عادة أكل النمل، فإن هذه السلوكيات تمثلها اليوم فقط نحو 20 نوعا متخصصا، وتشمل هذه الأنواع المعروفة مثل البانغولين والآردفارك وآكل النمل العملاق، وتتميز جميعها بصفات جسدية مدهشة: مخالب طويلة وقوية للحفر، ألسنة طويلة لاصقة لالتقاط الحشرات، وجماجم ضيقة لتسهيل الولوج إلى أعشاش النمل.

ولفهم كيف ومتى ظهرت هذه الخصائص، حلل فريق الدراسة أنظمة التغذية لأكثر من 4000 نوع من الثدييات، واستخدموا نماذج إحصائية لبناء "شجرة تطورية" ترصد تحولات السلوك الغذائي.

فأظهرت النتائج أن الميل إلى أكل النمل ظهر مرارا وتكرارا في سلالات تطورية مختلفة، لكن في معظم الحالات كانت كل سلالة تضم نوعا واحدا فقط، مما يبرز الطبيعة النادرة لهذا السلوك.

واللافت أن جميع هذه الثدييات تطورت من أسلاف لاحمة أو من آكلات الحشرات، مما يعكس جذورا بيولوجية تؤهلها للانتقال إلى هذا النمط الغذائي الفريد.

استراتيجية غذائية ثابتة قد تمنح ميزة في مواجهة تغير المناخ

وعلى عكس البشر الذين يبدلون حمياتهم الغذائية باستمرار، أظهرت الدراسة أن الثدييات آكلة النمل تميل إلى الالتزام بسلوكها الغذائي عبر الزمن، والاستثناء الوحيد هو أحد أنواع زبابات الفيل، الذي غير عاداته واتجه إلى النظام الغذائي الشامل.

ويشير الباحثون إلى أن التخصص الغذائي يبدو وكأنه يحصر هذه الحيوانات في "زاوية تطورية"، لكنه في الواقع يمنحها ميزة محتملة، لا سيما في ظل تغيرات المناخ، فمع تزايد حرارة الأرض تظهر الدراسات أن الحشرات الاجتماعية مثل النمل والنمل الأبيض تزداد انتشارا، وتكون مستعمرات ضخمة مثل النمل الناري، وفي هذا السياق يقول باردن: "طالما استمرت هذه الحشرات في السيطرة على الكتلة الحيوية في العالم، فإن الثدييات التي تتغذى عليها قد تكون من بين القلة التي تستفيد من تغير المناخ".