أعلنت وزارة الدفاع الإسبانية رسميا يوم الخميس الماضي إيقاف جميع مفاوضات شراء مقاتلات F35 الأمريكية، في خطوة اعتبرها خبراء الدفاع تحولا جذريا في السياسة العسكرية الإسبانية.
وجاء القرار بعد 18 شهرا من الدراسات الفنية المكثفة التي شارك فيها خبراء من القوات الجوية والبحرية، وأوضح المتحدث الرسمي أن الأسباب تضمنت ثلاثة عوامل حاسمة: القيود التكنولوجية المفروضة من الولايات المتحدة، وعدم التوافق مع الاستراتيجية الصناعية الإسبانية التي تخصص 85% من ميزانيتها للصناعات الأوروبية، بالإضافة إلى التكاليف الباهظة للبنية التحتية اللازمة للطائرة التي قدرت بأكثر من 2 مليار يورو إضافية، كما أشارت الوثائق الرسمية إلى أن الصيانة والتحديثات ستكون تحت السيطرة الأمريكية بالكامل، مما يحد من السيادة الوطنية على الأصول الدفاعية.
التأثيرات العميقة على الجيش والبحرية
ويخلق هذا القرار تحديات استراتيجية غير مسبوقة للقوات المسلحة الإسبانية، خاصة للبحرية التي كانت تعتمد على نموذج F35B للإقلاع القصير والهبوط العمودي، فبحلول عام 2030، ستصبح جميع طائرات الهارير الحالية غير صالحة للخدمة، دون وجود بديل أوروبي جاهز، وتشير التقديرات إلى أن البحرية الإسبانية قد تضطر للاعتماد كليا على المروحيات القتالية لمدة لا تقل عن 8-10 سنوات.
أما القوات الجوية فتواجه تحديات مختلفة، حيث أن أسطول اليوروفايتر الحالي رغم كفاءته، يفتقر لتقنيات التخفي والأنظمة الإلكترونية المتطورة الموجودة في F35، وقد حذر تقرير سري للجنة الدفاع البرلمانية من أن هذه الفجوة التقنية قد تستمر حتى 2040، وهو الموعد المتوقع لدخول نظام FCAS الأوروبي الخدمة.
البدائل المطروحة وتحدياتها
وتعكف وزارة الدفاع الإسبانية حاليا على دراسة أربعة بدائل رئيسية لسد هذه الفجوة الدفاعية، فالخيار الأول يتمثل في شراء دفعة إضافية من طائرات اليوروفايتر مع ترقيات متقدمة، بما في ذلك رادارات AESA الجديدة وأنظمة الحرب الإلكترونية المحسنة، أما الخيار الثاني فيتضمن التفاوض مع فرنسا لشراء طائرات الرافال، خاصة النسخة البحرية منها إذا ما قررت إسبانيا بناء حاملة طائرات جديدة.
كما يجري النظر في برنامج TEMPEST البريطاني كحل مؤقت، رغم التحديات السياسية التي قد تثيرها هذه الصفقة. ويبقى برنامج FCAS المشترك مع ألمانيا وفرنسا الحل الاستراتيجي طويل المدى، لكن التقارير تشير إلى خلافات عميقة بين الشركاء حول توزيع الأعمال الصناعية، ما قد يؤخر المشروع لعدة سنوات إضافية.
المستقبل الدفاعي والتحديات القادمة
وتواجه إسبانيا مفترق طرق حاسما في سياساتها الدفاعية خلال العقد القادم، فمن ناحية يسعى القرار لتعزيز الصناعة الدفاعية المحلية التي توظف أكثر من 20 ألف شخص في مصانع ومؤسسات البحث، ومن ناحية أخرى فإن التكاليف التشغيلية لهذا التحول قد تصل إلى 4 مليارات يورو إضافية حسب تقديرات بنك إسبانيا.
كما أن التحدي الأكبر يتمثل في الحفاظ على القدرات القتالية خلال الفترة الانتقالية، خاصة في ظل تصاعد التوترات في منطقة البحر المتوسط، وقد بدأت بالفعل مفاوضات مكثفة مع حلفاء أوروبيين لإنشاء تحالفات تقنية وعسكرية جديدة، مع التركيز على تطوير أنظمة مسيرة متطورة يمكنها سد جزء من الفجوة القتالية حتى اكتمال البرامج الأوروبية البديلة