تشهد القوات البحرية الروسية توسعا غير مسبوق في أسطولها من الغواصات النووية، في إطار استراتيجية شاملة لتعزيز الردع الاستراتيجي، ويأتي هذا التوجه بعد تصاعد التوترات مع حلف الناتو، خاصة في مناطق القطب الشمالي والمحيط الهادئ.
وقد أكد الرئيس بوتين خلال زيارته لمركز "سيفيرودفينسك" لبناء السفن أن هذه الغواصات تشكل "عمودا فقريا" للقدرات النووية الروسية، وتستهدف موسكو من خلال هذا التوسع تحقيق عدة أهداف استراتيجية، أهمها مواكبة التحديثات التي تجريها القوات البحرية الأمريكية، وضمان التوازن الاستراتيجي في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة في مجال مكافحة الغواصات، كما يأتي هذا التوسع في إطار سعي روسيا للحفاظ على مكانتها كقوة عظمى في المجال البحري، وتعزيز نفوذها في المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية.
المواصفات التقنية المتقدمة لغواصات بوري-إيه
وتمثل غواصات "بوري-إيه" (مشروع 955A) قفزة نوعية في التكنولوجيا البحرية الروسية، حيث تتميز بعدة تحسينات جوهرية مقارنة بالأجيال السابقة، فنظام الدفع يعتمد على مفاعل نووي من نوع OK-650V مع توربين بخاري مساعد، يوفر سرعة غوص تصل إلى 30 عقدة (56 كم/ساعة) مع الحفاظ على مستوى ضوضاء منخفض جدا، كما تم تحسين نظام التخفي عبر نظام دفع مضخات نفاثة بدلا من المراوح التقليدية، وإضافة طلاء خاص يمتص الموجات الصوتية مع عزل اهتزازات المحركات، وتصميم هيدروديناميكي متطور للبدن، أما أنظمة القيادة فتشمل: نظام ملاحة متكامل مع أقمار GLONASS، وسونار متطور بمدى كشف يصل إلى 100 كم، مع نظام إدارة معركة رقمي متكامل، ويتكون الطاقم من 107 فرد فقط بفضل درجة عالية من الأتمتة، ويمكنه البقاء في البحر لمدة 90 يوماً متواصلا ومجهز بأحدث أنظمة دعم الحياة.
القدرات التسليحية والردعية
تمتلك كل غواصة "بوري-إيه" ترسانة متكاملة من الأسلحة المتطورة:
أولا الصواريخ الباليستية فهي مزودة ب 16 صاروخا من نوع "بولافا" (RSM-56) مع مدى يتراوح بين 8,000-9,000 كم مع دقة إصابة تصل إلى 350 متر، قادرة على حمل 6-10 رؤوس نووية موجهة بشكل مستقل (MIRV)، وتتمتع بنظام إطلاق متطور يمكنه إطلاق كامل الحمولة في غضون دقائق.
ثانيا الأسلحة الدفاعية فهي مزودة ب٦ أنابيب طوربيد عيار 533 ملم، وصواريخ كروز مضادة للسفن من نوع "كاليبير"، وأنظمة دفاع إلكتروني متطورة وطائرات مسيرة صغيرة للاستطلاع.
ثالثا أنظمة الاتصال فقد زودت بقنوات اتصال لاسلكية فائقة التشفير، وأنظمة اتصال لاسلكي تحت الماء (ELF/VLF) واتصالات عبر الأقمار الصناعية.
وتم تصميم هذه الأنظمة لضمان قدرة الغواصة على تنفيذ مهامها حتى في ظل ظروف الحرب النووية، مع الحفاظ على قدرة الردع الثاني في أي وقت.
الأبعاد الجيوسياسية والاستراتيجية
ويخدم التوسع في أسطول الغواصات النووية عدة أهداف استراتيجية لروسيا، ففي القطب الشمالي تؤمن حماية طرق الشحن الشمالية، والسيطرة على الموارد الطبيعية، وردع القوات الغربية في المنطقة، أما في المحيط الهادئ فتؤمن موازنة النفوذ الأمريكي ودعم العمليات العسكرية في الشرق الأقصى، وحماية القواعد البحرية في فلاديفوستوك وبتروبافلوفسك.
وبالنسبة للردع الاستراتيجي فتؤمن ضمان القدرة على الضربة الثانية، وتعزيز الموقف التفاوضي لروسيا وردع أي هجوم محتمل على الأراضي الروسي، كما تساهم في التوازن العسكري من حيث مواكبة تحديثات الأسطول الأمريكي، والحفاظ على التوازن مع الصين في المحيط الهادئ وتعزيز التعاون العسكري مع الحلفاء
التحديات والعقبات التي تواجه التوسع البحري الروسي
وتواجه هذه الخطط عدة تحديات منها العقوبات الغربية على قطاع الصناعات الدفاعية، وصعوبات تمويلية بسبب الأوضاع الاقتصادية، ومنافسة التطورات التكنولوجية الغربية، وتحديات تدريب الأطقم المؤهلة.
ورغم ذلك تبقى روسيا مصممة على المضي قدما في هذه الاستراتيجية، مع خطط لبناء 10 غواصات إضافية بحلول 2035، ويعكس هذا التوجه إصرار القيادة الروسية على الحفاظ على مكانتها كقوة بحرية عظمى، وقدرتها على حماية مصالحها في المناطق الحيوية حول العالم