تعد الغواصات الهجومية ركيزة أساسية في النزاعات البحرية الحديثة لما تتمتع به من ميزات تخفي وهجوم واسع المدى.
وتستخدم الجيوش هذه الغواصات في تعزيز الردع الاستراتيجي من خلال قدرتها على ضرب أهداف برية وبحرية بدقة عالية باستخدام صواريخ كروز طوربيدات متطورة، ما يجعلها أداة حاسمة لحماية الممرات البحرية الحيوية والتأثير في مجريات الصراع، فضلا عن ذلك تعتبر الغواصات الهجومية منصات محورية لجمع المعلومات الاستخبارية والاستطلاعية، مما يمكنها من مراقبة تحركات العدو من أعماق المحيط دون انكشاف.
وتصمم الغواصات بأساليب هندسية متطورة تهدف إلى تقليل بصمتها الصوتية والحرارية، مما يجعلها قادرة على البقاء طويلا مع الحفاظ على جاهزيتها العالية للتدخل في أي وقت، فهذا يضمن جاهزية تشغيلية عالية للبحرية في مختلف المناطق الاستراتيجية، ويتوقع أن تستمر الإصدارات المستقبلية من الغواصات الهجومية في دمج أحدث التقنيات الذكية وأنظمة الدفع الكهربي القادرة على الإبحار دون انبعاث الاحتراق، ما يزيد من قدرة هذه المنصات على البقاء والإرسال في البيئات المعادية.
الغواصة الأمريكية فيرجينيا (الكتلة الخامسة)الغواصة الأمريكية فيرجينيا (الكتلة الخامسة)
وتعد فئة الغواصات الأمريكية فيرجينيا-الكتلة الخامسة أحدث إصدارات سلسلة فيرجينيا ولها مواصفات قتالية متقدمة.
حيث تبلغ إزاحتها الغاطسة حوالي 10,200 طن، وهي مجهزة بوحدة حمولة إضافية بطول 84 قدما تضم أربعة أنابيب عمودية كبيرة لإطلاق الصواريخ، ما يمكنها من حمل نحو 40 صاروخ توماهوك بعيد المدى، وتعتمد هذه الغواصات على مفاعل نووي من نوع S9G يوفر لها عمر وقود يقدر بأكثر من 30 سنة، وتتمتع بأنظمة سونار متطورة (مصفوفات ألياف ضوئية ومجسات جانبية) وهيكل معزول صوتيا ودفع بمروحة مضخة (pump-jet) لخفض الضجيج أثناء الحركة، فضلا عن الطوربيدات التقليدية، يمكن لهذه الغواصة حمل وشن عمليات بمنصات غوص ذكية وغواصات غير مأهولة تحت الماء.
وبفضل كل ذلك يمتلك هذا الطراز أكبر طاقة نارية صاروخية بين غواصات الهجوم في العالم، مع قدرة فائقة على الاستمرار في المهام طويلة الأمد، وقوبدأ إنشاء هذا الإصدار في 2019، ومن المتوقع أن تدخل الوحدة الأولى منه الخدمة عام 2026.
الغواصة الروسية ياسين-إم (885M)الغواصة الروسية ياسين-إم (885M)
تعتبر غواصة ياسين-إم (مشروع 885M) الروسية من أضخم وأحدث الغواصات الهجومية النووية في العالم، وأُدخلت أول وحدة (كازان) الخدمة عام 2021، تلتها وحدة أخرى (أرخانجيلسك) في يناير 2025، وبحلول منتصف 2025 كانت خمس غواصات من هذه الفئة نشطة في الخدمة مع المزيد قيد الإنشاء.
وتزيد إزاحتها الغاطسة على 13,800 طن، وتعمل بمفاعل نووي طور لتحمل وقود يدوم نحو 30 سنة، وتحوي الغواصة 32 خلية إطلاق عمودية لصواريخ «كالبر» بحر-أرض و«أونيكس» فوق الصوتية المضادة للسفن، إضافة إلى صواريخ «تسيركون» فرط الصوتية التي دخلت الخدمة فعليا منذ أواخر 2023، كما تمتلك 10 أنابيب طوربيد ومصفوفة سونار MGK-600 متطورة للكشف بعيد المدى في المحيطات والبيئات القطبية.
وبفضل ذلك تعد هذه الغواصة منصة استراتيجية بحرية روسية متقدمة مجهزة لكافة المهام تحت سطح الماء، حيث تمنحها القدرة على تنفيذ ضربات فرط صوتية عميقة فعالة.
الغواصة الفرنسية باراكودا (سفران)الغواصة الفرنسية باراكودا (سفران)
وبدأت فرنسا برنامج فئة غواصات باراكودا (سفران) في الألفية الثانية لتحل مكان فئة روبي الأقدم، ودخلت أول غواصة (سفران) الخدمة عام 2022، تلتها الثانية (دوغي تروا) في 2023، وتوجد أربع غواصات أخرى تحت الإنشاء يتوقع تسليمهن قبل 2030.
وتقدر الإزاحة الغاطسة ب 5,300 طن وتعمل بمفاعل نووي من نوع K15 مأخوذ من الغواصات الاستراتيجية الفرنسية، وتعتمد هذه الغواصات على دفع بواسطة مضخة مروحية (pump-jet) للحفاظ على خفوت الصوت، وتستخدم أنظمة مؤتمتة متطورة لتقليل عدد أفراد الطاقم، وتسلح هذه الغواصات بصواريخ كروز MdCN بعيدة المدى (أكثر من 1000 كم) وصواريخ Exocet SM39 المضادة للسفن، وكذلك طوربيدات F21، كما تحوي مصفوفة سونار Thales S-CUBE المتقدمة ونظام قتال SYCOBS للتحكم بالتهديدات.
وتجعل هذه المزايا من غواصات سفران الخيار الأوروبي الأمثل لمهام بعيدة في مياه المحيطات ضمن سياق حلف الناتو.
الغواصات النووية الصينية Type 095الغواصات النووية الصينية Type 095
وتعد فئة الغواصات النووية الصينية Type 095 (المعروفة أحيانا بفئة تانغ الجديدة) أحدث مشروع غواصات هجومية لجيش التحرير الشعبي الصيني، فقد أطلقت البحرية الصينية عامي 2023 و2025 غواصتين من هذه الفئة، ومن المتوقع أن تصل القدرة التشغيلية الكاملة بحلول عام 2025 أو 2026.
وتزيد إزاحتها الغاطسة على 7,000 طن، وهي أول غواصة صينية مزودة بمروحة مضخة حديث، مما يرفع مستوى التخفي أثناء الإبحار، وتشتمل أنظمة سونارها على مصفوفة مستشعر كروية أمامية بالإضافة إلى مصفوفات جانبية وسونار جر متقدم، ويضم هيكلها أنابيب إطلاق عمودية لصواريخ YJ-18 فوق الصوتية، مع توقع تطوير صواريخ برية لاحقة، مما يمنحها قدرة عالية على الضرب بعيد المدى.
وصممت هذه الغواصة لمرافقة غواصات الإطلاق النووية الصينية وحاملات الطائرات، ولدعم مهام الاستطلاع الطويلة المدى والصيد المضاد للسفن، وتمثل Type 095 أول غواصة هجومية متعددة المهام في الأسطول الصيني، مزودة بتقنيات متطورة تمنحها قدرة على تنفيذ ضربات عميقة في أعماق المحيطات.
الغواصة الكورية الجنوبية KSS-III الدفعة الثانيةالغواصة الكورية الجنوبية KSS-III الدفعة الثانية
وقد أطلقت كوريا الجنوبية برنامج KSS-III في عما 2007، ودخلت أول غواصة من الدفعة الأولى الخدمة عام 2021، ثم بدأ تصنيع غواصات الدفعة الثانية عام 2023 ومن المتوقع تسليمها بحلول عام 2026.
وتبلغ الإزاحة تحت الماء حوالي 3,800 طن، وتدمج هذه الغواصات بطاريات ليثيوم-أيون مع خلايا وقود AIP محلية لتوفير مدى غوص طويل مع طاقم أصغر، وتزود هذه الغواصات بأجهزة سونار جانبية وتقنيات التصوير الصوتي الراداري التزامني (Synthetic Aperture Sonar) وأنظمة دعم إلكتروني متقدمة، ما يمنحها قدرة غوص تتجاوز 20 يوما بدون الحاجة للطفو.
ويشمل تسليحها نظام إطلاق عمودي كوري (K-VLS) يمكنه حمل عشرة صواريخ باليستية من طراز Hyunmoo-4-4، مما يعطيها دورا فريدا كمنصة رادعة إقليمية، ويعد هذا الطراز الوحيد عالميا في فئة الغواصات التقليدية الذي يحمل صواريخ باليستية وطنية مفعلة، ما يوازن بين قدرات التخفي والاستطلاع والردع الاستراتيجي.
وتعد هذه الغواصات دعامة رئيسية في استراتيجية الردع البحري لكوريا الجنوبية ضد التهديدات الإقليمية، كما يسمح تصميمها المتقدم بالتحديث المستقبلي السهل لتلبية متطلبات الأمن البحري المتغيرة.
الغواصة اليابانية تايجيالغواصة اليابانية تايجي
كما أطلقت اليابان برنامج غواصات فئة تايجي عام 2017 لتحل محل فئة سورياو، ودخلت الغواصة الرائدة تايجي الخدمة في مارس 2022، وستسلم وحدات أخرى حتى عام 2025.
ويزيد إزاحتها تحت الماء عن 3,000 طن، وهي مصممة للعمليات الإقليمية الخفية، فتعتمد هذه الغواصات على بطاريات ليثيوم-أيون عالية الطاقة بالكامل، مما يمنحها قدرة شحن أسرع وفترة غوص أطول مقارنة بأنظمة الوقود المستقلة التقليدية، وتزود الغواصة بأنظمة سونار متطورة عالية الدقة من شركات Oki Electric وNEC، وأنظمة تحكم بإطلاق طوربيدات Type 18 وصواريخ Harpoon.
والميزة الفريدة في هذه الغواصة هي أنها أول غواصة في العالم تعمل بالكامل ببطاريات ليثيوم-أيون، مما يمنحها قدرة هائلة على المناورة وخفة تكتيكية عالية دون قيود AIP التقليدية، كما ركز التصميم على تقليل البصمة الصوتية والمغناطيسية للهيكل، مما يعزز قدرتها على المناورة خفية ضمن المياه الساحلية المعقدة، مما يجعل فئة تايجي مثالا على الغواصات الساحلية المتقدمة عالية السرعة والقوة.
الغواصة الألمانية النروجية 212CDالغواصة الألمانية النروجية 212CD
ويعد مشروع الغواصات 212CD المشترك بين ألمانيا والنرويج الذي انطلق عام 2017 خطوة جديدة بعد فئة 212A، وبدأ بناء أولى الوحدات عام 2022 وستسلم الوحدات الأولى بحلول عام 2026.
تبلغ الإزاحة نحو 2,500 طن وتعمل بخلايا وقود الهيدروجين AIP الحديثة، مما يمنحها قدرة على الغوص لنحو 21 يوما متواصلة دون حاجة إلى السطح، كما زودت بهيكل من فولاذ غير مغناطيسي ومصمم لتقليل قدرة اكتشافها الصوتي والمغناطيسي، وجهزت بمنظومة قتال Atlas Elektronik ISUS 100 وتوربيدات Seehecht المتخصصة للعمل في بيئات البحر الضحلة المعقدة مثل بحر البلطيق والمناطق القطبية.
كل ذلك يجعل منها منصة حيوية لمهام دوريات طويلة الأمد في شمال أوروبا وضمن المناطق القطبية، وتمثل هذه الغواصة خطوة تقنية متقدمة نحو الغواصات الجديدة في قوات الناتو الأوروبية.
الغواصة أستووت المملكة المتحدةالغواصة أستووت المملكة المتحدة
وتعود لسلسلة غواصات أستووت البريطانية التي طورت في التسعينات كبديل لفئة ترافالغار، وقد دخلت HMS Astute الخدمة عام 2010.
وتزيد إزاحتها الغاطسة عن 7,400 طن وتعمل بمفاعل نووي PWR2 يوفر عمر وقود يصل 25 سنة مع دفع مروحة مضخة للحفاظ على خفوت الصوت، كما تحوي هذه الغواصات نظام سونار 2076 المتطور الذي يضم أكثر من 13,000 هوائي صوتي، ما يمنحها نطاق كشف هائل.
وتسلح غواصات Astute بطوربيدات Spearfish وصواريخ كروز توماهوك من طراز Block IV (وستدعم Block V مستقبلا).
فبفضل هذه القدرات تظل غواصات Astute محور القوة البحرية البريطانية لعقود مقبلة، وتثبت هذه الفئة كفاءتها العالية عبر التحديثات المستمرة لتواكب أحدث تقنيات الحروب تحت الماء.
الغواصة الهندية كالافاري (مشروع 75)الغواصة الهندية كالافاري (مشروع 75)
تعتمد غواصات فئة كالافاري الهندية على تصميم سكربن الفرنسي ضمن مشروع 75، حيث بدأ المشروع في أوائل الألفينات ودخلت أول غواصة INS Kalvari الخدمة عام 2017، وقد تمم إنتاج الدفعة الأولى بإدخال الوحدة السادسة INS Vagsheer في يناير 2025، في أول خط إنتاج غواصات متطور محليا في تاريخ البحرية الهندية.
وتقدر الإزاحة الغاطسة نحو 1,775 طن وتعمل بمحركات ديزل-كهربائية مدعومة بنظام SUBTICS القتالي الفرنسي، وهي مزودة بأنظمة سونار طورتها Thales والهند (BEL)، وتسلح بطوربيدات Black Shark وصواريخ SM39 Exocet المضادة للسفن.
ولم تدمج تقنية AIP في الدفعة الأولى، لكن من المقرر إضافتها مستقبلا عبر وحدة خلايا وقود محلية، وتتيح هذه الغواصات دعم عمليات القوات الخاصة عبر غرفة خلع غواصين مدمجة، كما تمثل هذه الغواصات حجر الأساس لتعزيز الهند نفوذها البحري في المحيط الهندي مع تكامل مستمر للتكنولوجيا المحلية.
الغواصة السويدية A26 بليكينغالغواصة السويدية A26 بليكينغ
وتعتبر فئة A26 Blekinge السويدية أحدث جيل في الغواصات الهجومية السويدية، صممت للعمل في البحار الساحلية والمفتوحة، طورها معهد Saab Kockums وبدأ البناء عام 2021، ويتوقع تسليم أول وحدة (HMS Blekinge) بحلول 2026.
تبلغ الإزاحة الغاطسة حوالي 2,122 طن، ويتميز بتصميم معياري وهيكل محسن للتخفي ولتحمل الضغوط، ما يخفض من انبعاثاته الصوتية إلى مستويات شبه معدومة، ويعمل المحرك بخلايا وقود ستيرلينغ AIP تتيح غوصا يصل إلى ثلاثة أسابيع متصلة دون الحاجة للطفو، ويجمع نظام القتال المدمج بين منظومة Saab 9LV وسونار Atlas Elektronik المتقدم، وتحمل الغواصة طوربيدات وألغاما وصواريخ برية بعيدة المدى (قيد التطوير).
وتضم الغواصة بابا معياريا متعدد المهام بطول 1.5 متر يسمح بنشر فرق القوات الخاصة والطائرات والغواصات الصغيرة الأوتوماتيكية، وتعد هذه الفئة الأكثر تطورا عالميا بين غواصات AIP المعيارية، إذ تتيح تكيفا لمهام متعددة دون الحاجة إلى إعادة تصميم كامل، مما يمنح البحارة قدرة عمل استثنائية في بيئات ساحلية وعميقة.
التوجهات المستقبلية في بناء الغواصات الحديثة
وتشير التطورات الحالية إلى أن الجيل المقبل من الغواصات الهجومية سيعتمد بشكل متزايد على أنظمة الدفع منخفضة الانبعاث (AIP وبطاريات متقدمة) لتمديد فترة الغوص دون الحاجة للطفو، وتقنيات الذكاء الاصطناعي والأتمتة لتحسين أنظمة الاستشعار والتحكم.
كما ستزداد القدرة على نشر منصات بحرية غير مأهولة (UUV) من على متن الغواصة للمهام الاستخباراتية والقتالية، وبالإضافة لذلك يتجه مصممو الغواصات نحو تصميمات معيارية قابلة للتحديث السريع، ما يمكن من إضافة أسلحة أحدث مثل الصواريخ الفائقة السرعة أو أجهزة استشعار متطورة دون الحاجة لتصنيع غواصة جديدة بالكامل.
علاوة على ذلك، يتوقع أن تعزز الشراكات العسكرية وتبادل التكنولوجيا (مثل AUKUS) من التعاون على ابتكار هياكل ومواد متقدمة وأنظمة دفع ذكية، ما يفضي إلى غواصات مستقبلية أكثر قوة وكفاءة، وبفضل هذه التوجهات ستظل الغواصات الهجومية في طليعة أسلحة الردع البحري، جاعلة من المزج بين القوة النارية المتفوقة والتخفي التشغيلي المتطور أساسا لمواجهة التحديات المستقبلية