روسيا تختبر بنجاح طوربيد بوسيدون النووي وسط تحذيرات غربية متصاعدة

بوتين يعلن تجربة بوسيدون النووي القادر على إغراق مدن كاملة في دقائق بوتين يعلن تجربة بوسيدون النووي القادر على إغراق مدن كاملة في دقائق

نشرت وكالة الأنباء الروسية "تاس" مقطع فيديو أكد فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن روسيا نجحت في اختبار الطوربيد النووي غير المأهول "بوسيدون"، موضحا أنه أُطلق من غواصة نووية وتم تشغيل مفاعله الذاتي للمرة الأولى بنجاح.

وبحسب وكالة "تاس" أشار بوتين إلى أن قوة السلاح الجديد تفوق الصاروخ العابر للقارات "سارمات"، مضيفا أنه "لا توجد أي وسيلة لاعتراضه".

ولم تصدر موسكو أي بيانات تقنية أو صور توثيقية للتجربة، ما أثار شكوكا غربية واسعة حول مدى صحة الإعلان، ويعتبر مراقبون أن التوقيت الذي اختارته روسيا للإعلان يعكس رسالة سياسية واضحة موجهة للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، خصوصا في ظل تصاعد التوترات في أوكرانيا وتنامي الحديث عن سباق تسلح نووي جديد يعيد أجواء الحرب الباردة إلى الواجهة.

بوسيدون بين الإنجاز التقني والدعاية النووية الروسيةسلاح تحت البحر يتحدى الردع التقليدي

وصنف موقع Army Recognition طوربيد بوسيدون كأحد أكثر الأسلحة الروسية سرية منذ الكشف عنه لأول مرة عام 2018، فهو مصمم ليعمل كمركبة غواصة ذاتية القيادة مزودة بمفاعل نووي مبرد بالمعدن السائل، وتشير التقديرات إلى أن الطوربيد قادر على الغوص لأعماق تتجاوز الألف متر والتحرك بسرعات تصل إلى 50 عقدة، ما يجعله خارج نطاق الكشف التقليدي.

ووضح الموقع أن المعلومات المتاحة غامضه ولكن من المتوقع أن يحمل بوسيدون رأسا حربيا نوويا متعدد الميغاطنات، قادرا نظريا على تدمير موانئ كاملة أو مجموعات حاملات طائرات.

وبحسب الموقع فإن الغواصة بلغورود K-329 تعد أول منصة روسية قادرة على حمل ستة من هذه الطوربيدات، فيما يجري العمل على الغواصة "خاباروفسك" كفئة مخصصة بالكامل لهذا النظام، وتعتقد تحليلات عسكرية غربية أن بوسيدون يشكل تحديا كبيرا لمنظومات الإنذار المبكر الغربية مثل SOSUS الأمريكية وشبكات المراقبة البحرية التابعة للناتو، ما يعزز تفوق موسكو في مجال الردع البحري غير التقليدي.

بوسيدون بين التجربة التقنية والدعاية النووية

ويرى محللون أن ما أعلنه بوتين يشير إلى تجربة اندماجية تشمل إطلاق الطوربيد وتفعيل مفاعله النووي لفترة محدودة دون اختبار للرأس الحربي، ويعتبر هذا الاختبار خطوة تقنية مهمة في تطوير النظام، لكنه أيضا وسيلة لإرسال رسائل سياسية متعددة الاتجاهات، خصوصا بعد سلسلة تصريحات روسية حول تحديث الترسانة النووية غير التقليدية، بما في ذلك الصاروخ العابر "بوريفيستنيك".

وأشار الموقع على وجود تقارير استخباراتية مفتوحة المصدر تؤكد أن بوسيدون قادر نظريا على قطع أكثر من 6000 كيلومتر تحت الماء، وهو ما يتيح له ضرب السواحل الأمريكية أو الأوروبية من مواقع بعيدة مثل بحر بارنتس أو البحر الأبيض الشمالي، ومع ذلك يؤكد خبراء غربيون أن غياب الأدلة التقنية يضع علامات استفهام حول جاهزية السلاح ومدى واقعية تنفيذه لمهامه المفترضة، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات التي تعرقل الصناعات الدفاعية الروسية.

الجدل القانوني والبيئي يلاحق أخطر سلاح روسي تحت الماء

وبحسب الموقع فإن بوسيدون يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الردع النووي البحري وفعالية الاتفاقيات الدولية، فالسلاح لا يندرج ضمن بنود معاهدة "نيو ستارت" التي تحدد عدد الرؤوس النووية ومنصات الإطلاق، مما يمنحه وضعا قانونيا رماديا يتيح لموسكو المناورة خارج الأطر التقليدية للرقابة النووية.

ويرى محللون أن استخدام هذا السلاح في أي نزاع سيؤدي إلى كارثة بيئية وإنسانية كبرى، فقد يتسبب تفجيره قرب السواحل في تدمير البنية التحتية المينائية وإشعاع مناطق واسعة لسنوات، ومع أن بعض وسائل الإعلام الروسية تصف بوسيدون بأنه قادر على إحداث "تسونامي إشعاعي"، إلا أن الدراسات العلمية تؤكد أن تلك الموجات لن تكون عابرة للقارات، لكنها كافية لتدمير مدن ساحلية بأكملها، وبحسب تقارير دفاعية فإن قدرة روسيا على إنتاج أعداد كبيرة من هذا السلاح محدودة، مما يجعله أداة ردع نفسية ورمزية أكثر منه سلاحا عملياتيا، يستخدم لخلق توازن رعب جديد يضغط على الغرب سياسيا واستراتيجيا.

بوسيدون وتوازن القوى في النظام النووي العالمي

ويأتي اختبار بوسيدون في لحظة حساسة من التاريخ النووي المعاصر، إذ تحاول موسكو إعادة تعريف مفهوم "الردع المرن" عبر إدخال أسلحة استراتيجية جديدة لا تندرج ضمن منظومة الرقابة التقليدية، ويشير محللون إلى أن هذا التوجه يهدف إلى خلق نوع من الردع البحري المستقل عن الصواريخ الباليستية، ما يمنح روسيا موقعا تفاوضيا أقوى في أي محادثات مستقبلية حول نزع السلاح.

وفي المقابل تعمل الولايات المتحدة على تطوير أنظمة مضادة للغواصات والطائرات بدون طيار تحت سطح البحر في محاولة لاحتواء هذا التهديد، ويرى خبراء الأمن الدولي أن بوسيدون يمثل بداية مرحلة جديدة من سباق التسلح النووي، تتجه فيها القوى الكبرى إلى توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الذاتية في مجال الردع النووي البحري، ما يعيد تشكيل موازين القوة ويجعل الأمن الاستراتيجي العالمي أكثر هشاشة وتوترا من أي وقت مضى.