نضال الأحمدية: الحر الغبي الاتي من أنظمة أمنية

حين يسقط نظام أمني: ماذا تفعل الحرية بالذاكرة؟ حين يسقط نظام أمني: ماذا تفعل الحرية بالذاكرة؟

كتبت الإعلامية نضال الأحمدية في مقال تحليلي عميق ناقش أثر الأنظمة الأمنية على الوعي الجمعي، وكيف تتحول الحرية بعد سقوطها إلى صدمة اجتماعية ونفسية. مستندة إلى مراجع علمية في علم النفس والاجتماع مع طرح تساؤلات حول معنى الحرية، الخوف، والضمير في المجتمعات العربية:

في الدول التي يحكمها الخوف، يعيش الناس كأنهم يمشون على الزجاج.

الكلمة تُراقَب، والابتسامة تُفسَّر، فيعتادون الصمت كدرعٍ واقٍ من الموت.

حين يعيش شعبٌ مئة سنة في ظلّ دولة أمنية، يتعلّم أن النجاة أهم من الكرامة، وأن الكذب نعمة.

تخيّل طفلا يُعاقَب كلما اعترض، بعد سنواتٍ سيصمت أو يكذب، حتى لو لم يعد أحد يهدّده.

يتدرّب على المراوغة لينجو. وهكذا تفعل الأنظمة الأمنية بالشعوب: تعلّمها أن الخوف فضيلة.

أليست المقولة العربية: “ما متت ما شفت مين مات؟” دعوة إلى الانحناء؟ إلى طأطأة الرأس؟ في هذه المجتمعات، يُكافَأ المطيع ويُعاقَب المختلف، والوشاية تصبح وسيلة ترقّي.

فيشي الصديق بصديقه ليكسب رضا السلطة، ويعتبر ذلك إنجازا وامتيازا.

العالِم الفرنسي بيير بورديو وصف هذا بدقّة حين قال إنّ “العنف الرمزي” أخطر من السلاح، لأنه يجعل الناس يقبلون الإهانة وكأنها طبيعية.

أما في الدول الديمقراطية، فالكلمة تُكرَّم لا تُراقَب.

الإنسان هناك يتربّى على أن القانون وُجد ليحميه، وأن حقّه في التعبير مقدّس — كما في لبنان، حين تكون الحرية وجه الوطن الحقيقي.

لهذا، تنشأ ثقافة الثقة بدل ثقافة الخوف.

الناس يتعاونون، يبتكرون، يخطئون بلا خوف، فتوقظ فيهم الحرية كل مكامن الجمال: الشجاعة، الإبداع، الصدق، ورفعة الإنسان.

 ماذا يحدث حين يتحرر العبد فجأة؟

يتحوّل إلى كائنٍ وحشيّ، يقتل لأنه يعتقد أن هذا حقّه، وقد تعلّم من حاكمه أن الحرية رخصة للقتل.

وإن لم يقتل، يعتدي بالكلام، ظنا أن الإساءة “حرية تعبير”.

فإذا حاولت أن تفهمه أن الحرية مسؤولية، لا يُصدّقك، ويقاتلك بردودٍ أعنف، لأنه يعرف من تجارب أجداده أن الحرية لا تُهذَّب، بل تُخاف.

يرى أن حريته خصوصية محلية لا تشبه حرية الآخرين.

فكيف يصدّقك، وأنت الغريب القادم من عالم آخر؟

العلماء يسمّون هذه الحالة “صدمة الحرية” وهي نظرية مستوحاة من علم النفس والطبّ النفسي الذي درس تأثير الصدمات على الدماغ، إذ يشبّهونها بخروج سجينٍ من زنزانة مظلمة إلى الشمس: لا يرى جيدًا في البداية، يحتاج إلى وقتٍ طويل وعلاجٍ عميق ليتأقلم مع الضوء.

ثم تبدأ مرحلة ثانية أصعب: صراع المعاني.

يصفها العالِم البريطاني أنطوني جيدنز بقوله: حين تنهار السلطة القديمة، يولد فراغ في المعنى قبل أن يولد نظامٌ جديد.

بعدها يبدأ الزمن الطويل لبناء الوعي.

يتعلّم الناس الحوار كما يتعلّم الأطفال المشي: يسقطون كثيرا ثم يقفون من جديد.

يقول علم الأعصاب إن الدماغ يحتاج جيلا كاملا (من 20 إلى 30 سنة) ليعيد تشكيل عاداته بعد زمنٍ من القمع.

الحرية المكبوتة، حين تستيقظ، تشبه عضلةً معطوبة تحتاج إلى تدريبٍ يوميّ لتُشفى.

وحرية القول من أصعب المهام، فإن لم ترثها أو تتعلّمها قبل أن تمارسها، قتلتك رمزيا أمام من يتفرّجون عليك “حرّا غبيا”.

الفرق بين من عاش في الخوف قرنا، ومن وُلد في الحرية، ففي ردّة الفعل:

الأول يراقب ظله قبل أن يتكلّم، والثاني يراقب فكرته قبل أن ينطق.

الحرية ليست غياب السجن، بل حضور الضمير.

المراجع العلمية والمفاهيم الموثوقة

 1. Albert Bandura, Social Learning Theory, Yale University Press, 1977–1986.

 2. Martin Seligman, Learned Helplessness: A Theory for the Age of Control, University of Pennsylvania.

 3. Political Psychology Journal, Vol. 41 (2020): “Authoritarian Legacies and Social Trust in Post-Soviet Societies.”

 4. Pierre Bourdieu, La domination masculine, Éditions du Seuil, 1998 — مفهوم “العنف الرمزي”.

 5. Alex Inkeles, Becoming Modern: Individual Change in Six Developing Countries, Harvard University Press, 1960s.

 6. Anthony Giddens, The Consequences of Modernity, Polity Press, 1990 — مفهوم “الفراغ المؤسسي”.

 7. Steven Pinker & Lisa Feldman Barrett — أبحاث في علم الأعصاب حول إعادة تشكيل الدماغ بعد الصدمات، Harvard & Northeastern University, 2015–2021.

 8. Carnegie Endowment & Journal of Democracy (2013–2015): دراسات عن “صدمة الحرية” بعد الربيع العربي.

ملاحظة: الٓاراء السياسية الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن موقف "النهضة نيوز"