بولندا توسع قدراتها للضربات العميقة لتعزيز الردع العسكري ضد روسيا

سباق التسلح يتصاعد.. بولندا تبني أكبر قوة للضربات العميقة في أوروبا لردع روسيا (مصدر الصورة: Army Recognition Edit) سباق التسلح يتصاعد.. بولندا تبني أكبر قوة للضربات العميقة في أوروبا لردع روسيا (مصدر الصورة: Army Recognition Edit)

أكد موقع Army Recognition أن بولندا تجدد دعواتها للحصول على قدرات ضربة عميقة موثوقة في ظل تكثيف القوات الروسية تدريباتها قرب ممر سوالكي ومنطقة البلطيق، ما يعكس تحولا أوسع داخل الناتو نحو اعتماد الضربات الدقيقة بعيدة المدى أداة رئيسية للردع وإدارة الأزمات.

وترى وارسو وفق تقرير TVP World، أن البيئة الاستراتيجية المحيطة بها والممتدة من كالينينغراد إلى بيلاروس وغرب روسيا تفرض ضرورة امتلاك قدرة ضرب تمتد لمئات الكيلومترات، ويؤكد مسؤولو الدفاع أن هذه القدرة باتت شرطا لبقاء الدولة، وليست مجرد نقاش نظري، خصوصا مع توافقها مع توجيهات الناتو بشأن أولوية الضربات الدقيقة خلف الخطوط.

التوسع السريع في ترسانة الصواريخ البولندية

وبحسب الموقع تعمل بولندا على توسيع ترسانتها من صواريخ الضربة العميقة من خلال الجمع بين الإنتاج المحلي لأنظمة Homar-K وCTM-290، وبين الأسلحة الأميركية المتقدمة مثل JASSM-ER وصاروخ PrSM المستقبلي، بهدف استهداف مواقع عسكرية روسية حساسة على مدى طويل وتعزيز الردع على الجبهة الشرقية للناتو.

ويشير محللون أوروبيون إلى أن بولندا وألمانيا تنظران إلى هذه القدرات بوصفها أدوات ردع عقابية تقع بين المدفعية التقليدية والقدرات النووية مع بقائها في الإطار التقليدي الكامل.

ويمتلك سلاح الجو البولندي بالفعل صواريخ AGM-158 JASSM على مقاتلات F-16C/D بمدى يصل إلى 370 كيلومترا، بينما عززت وارسو قدرتها بشراء أكثر من 300 صاروخ AGM-158 B-2 JASSM-ER ذات مدى 1000 كيلومتر، ما يتيح ضرب أهداف داخل العمق الروسي من المجال الجوي البولندي، ومع وصول مقاتلات F-35A مستقبلا ودمج أنظمة AARGM-ER وJSM، ستتكون قدرة جوية ضاربة واسعة ضد الدفاعات الجوية والأهداف عالية القيمة.

نظام Homar-K البولندي لإطلاق الصواريخ المتعددة (مصدر الصورة: Defence24.com‏)تعزيز أنظمة Homar ودور الصناعة المحلية

وعلى مستوى الأنظمة الأرضية، أشار الموقع إلى أن بولندا تتبنى واحدة من أكبر قدرات المدفعية الصاروخية في الناتو، مع مئات منصات Homar-A المبنية على نظام HIMARS، إضافة إلى نحو 300 نظام Homar-K المشتق من K239 Chunmoo الكوري الجنوبي والمثبت على شاحنات Jelcz 8×8.

وتستطيع هذه المنصات إطلاق صواريخ موجهة بعيار 239 ملم بمدى يقارب 80 كيلومترا وصواريخ CTM-290 بمدى يصل إلى 290 كيلومترا، بما يكفي لتهديد تشكيلات روسية في كالينينغراد وبيلاروس من داخل الأراضي البولندية.

وتولي وارسو أهمية كبيرة لتوطين Homar-K؛ إذ يجري تأسيس خطوط إنتاج محلية لصواريخ CGR-080، تتبعها صواريخ CTM-290، مع إمكان تطوير ذخائر بمدى 150 إلى 200 كيلومتر مستقبلا، كما تعمل شراكة مع مجموعة WB على توسيع تصنيع الصواريخ في أوروبا.

ويقلص هذا التوجه الاعتماد على الإنتاج الأميركي المثقل بالطلبات، ويعزز الهندسة الصاروخية المتقدمة داخل القطاع الدفاعي البولندي، ويضمن إعادة تعبئة المخزون خلال الأزمات الممتدة.

سد فجوات المدى وتطوير الردع الطبقي

وعلى الرغم من التطوير المتسارع، ما زالت فجوات في المدى قائمة، فصواريخ ATACMS بمدى 300 كيلومتر ستدخل الخدمة بكميات محدودة، بينما تسعى وارسو إلى اقتناء صاروخ PrSM الأميركي المتوافق مع HIMARS، والمقدر أن يصل مداه إلى نحو 500 كيلومتر في النسخ الأولى، مع إمكانية زيادته لاحقا ودعم قدرات ضرب أهداف متحركة مثل رادارات الدفاع الجوي أو سفن أسطول البلطيق.

وفي موازاة ذلك شاركت بولندا في إطار أوروبي لتطوير صاروخ كروز أرضي بمدى يتجاوز 1000 كيلومتر ضمن برنامج متعدد الجنسيات، وتطمح وارسو إلى مزيج مداه 300 و500 و1000 كيلومتر لتغطية كالينينغراد ومناطق الإطلاق في بيلاروس والعقد التشغيلية في سمولينسك وبريانسك، مع الحفاظ على مواقع إطلاق آمنة داخل بولندا.

أثر الضربات العميقة في هيكلة الردع داخل الناتو

وتؤكد الخبرات المستخلصة من الحرب في أوكرانيا أن الضربات الدقيقة بعيدة المدى أصبحت عنصرا حاسما في تفكيك البنية التشغيلية للخصم عبر استهداف مراكز القيادة ومستودعات الذخيرة والقواعد الجوية ومنصات الصواريخ قبل شروعها في العمل، وتمكن هذه القدرة بولندا من تقليص اعتمادها على الطيران المأهول داخل بيئات دفاع جوي روسية كثيفة أو انتظار نيران الحلفاء.

وإذا نجحت وارسو في بناء حزمة متوازنة من CTM-290 وذخائرها المستقبلية، وصواريخ ATACMS وPrSM المستوردة، إضافة إلى مخزون وافر من JASSM-ER وصواريخ كروز الأوروبية المنتظرة، فستتحول من دولة تعتمد على دعم الناتو إلى أحد أعمدة النيران العميقة في الجبهة الشرقية، وتعكس هذه النقلة المرتكزة على قاعدة صناعية وطنية، جوهر رؤية بولندا: الردع لا يتحقق بالتصريحات، بل بالمنصات والرؤوس الحربية وشبكات الاستهداف الموجودة بالفعل.