كشف موقع Defense Arabia أن ساحات المعارك البرية لم تعد كما عهدناها قبل عامين، فقد باتت مسيرة صغيرة لا تتعدى تكلفتها بضع مئات من الدولارات قادرة على الإطاحة بدبابة تبلغ قيمتها ملايين الدولارات، لاغية بذلك مفاهيم تكتيكية استقرت لعقود طويلة.
وتتصدر المشهد في هذا التحول الطائرات المسيرة الانتحارية العاملة بتقنية منظور الشخص الأول FPV، والتي امتدت بصماتها من سهول دونباس الأوكرانية إلى المرتفعات اللبنانية جنوبا، واضعة استراتيجيات الدفاع الجوي الكلاسيكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مواجهة اختبار وجودي غير مسبوق.
ويشير تقييم مجلس الأمن والدفاع الأوكراني إلى أن مسيرات FPV الانتحارية تتكفل وحدها بإلحاق نحو 60% من إجمالي الخسائر بصفوف القوات الروسية، بينما تصعد تقارير استخباراتية بريطانية بهذا الرقم ليلامس عتبة 80% عند دمج حصيلة كافة أنواع الطائرات بدون طيار، وتعلن هيئة الأركان الأوكرانية عن رصد تحليق ما يقارب 9 آلاف طائرة مسيرة فوق خط التماس بصفة يومية، وتمكنت كييف بمفردها من توجيه ضربات دقيقة لنحو 105.200 هدف خلال فبراير 2026.
الألياف الضوئية تمنح المسيرات قدرة اختراق خطيرة
وذكر أن المسرح اللبناني يشكل أبرز نقطة لانتقال هذه الحرب من الأرياف الأوكرانية إلى الشرق الأوسط، فقد أطلق حزب الله أكثر من 80 طائرة مسيرة انتحارية FPV باتجاه القوات الإسرائيلية خلال الأسابيع الأخيرة من جولة المواجهة المستأنفة، ونجحت 15 مسيرة منها في إصابة أهدافها، مما أسفر عن مقتل 4 جنود ومدني وإصابة العشرات.
ووثقت وسائل إعلام عبرية أواخر أبريل الماضي مقتل الرقيب إيدان فوكس إثر ضربة مباشرة بمسيرة FPV استهدفت دبابة إسرائيلية، لتسجل بذلك أول حالة قتل مؤكدة لجندي إسرائيلي بهذا السلاح، وتقدر مؤسسة الدفاع أن وحدة المسيرات التابعة لحزب الله تضم 100 مشغل متخصص، مشيرة إلى إطلاقها 160 طائرة منذ مطلع مارس 2026، من بينها 90 مسيرة موجهة بالألياف الضوئية.
وتجلى المشهد الأكثر دلالة حين رصدت وسائل إعلام لحظة اختراق طائرة FPV مزودة بكابل ألياف ضوئية للقفص الحامي العلوي لدبابة ميركافا Mk.4M في بلدة القنطرة، مما أدى إلى اشتعال ذخيرتها رغم تزويدها بمنظومة الحماية النشطة الإسرائيلية.
معادلة التكلفة تضع الجيوش أمام مأزق استنزاف خطير
وبحسب الموقع إن البصمة الرادارية لطائرات FPV تتراوح بين 0.005 و0.02 متر مربع، وهو معدل متدن يسمح لها بالتسلل عبر شقوق منظومات الرصد، وتعجز العين البشرية عن رؤيتها إلا من مسافة لا تتجاوز بضع مئات من الأمتار، وتتفاقم الأزمة مع انتقال هذه الطائرات إلى الاعتماد على التوجيه بالألياف الضوئية، مما يعزلها كليا عن تأثيرات الحرب الإلكترونية، وتشير تقارير إلى إنتاج أوكرانيا طائرات مزودة بمكبات ألياف ضوئية يصل طولها إلى 50 كيلومترا.
ويرى خبير الشؤون الدفاعية علي الهاشم أن جذور الأزمة شخصت بشكل خاطئ، موضحا: "يخطئ من يختزل المعضلة في قصور الرادارات عن الرصد، فجوهر الأزمة يكمن في معادلة التكلفة وليس في قدرات الكشف، فجيوش المنطقة قادرة على رصد الطائرات المسيرة، لكنها تعجز عن إسقاطها بأسلحة أقل تكلفة منها، ما يحول كل عملية اعتراض إلى استنزاف اقتصادي بحت".
ويكشف هذا التحليل عن مأزق استراتيجي عميق، حيث أن إنفاق مليون دولار لإسقاط تهديد لا تتجاوز قيمته 500 دولار يمثل وصفة مضمونة للإفلاس العسكري في أي حرب استنزاف طويلة الأمد.
الإنتاج الضخم للمسيرات مفتاح حروب المستقبل
وأضاف الهاشم، تحذيرا استراتيجيا بالغ الأهمية: "يبقى الرهان الأكبر سياديا في المقام الأول، فمن لا يمتلك خطوط إنتاج وطنية قادرة على تصنيع عشرات الآلاف من الطائرات المسيرة والأنظمة المضادة لها شهريا، سيخوض حروب المستقبل بميزانية مشتريات بدلا من ترسانة قتالية".
ولفت الموقع إلى أن وحدات التوجيه الذاتي، مثل نظام TFL1 المدمج في مسيرات FPV والذي لا تتجاوز تكلفته 150 دولارا، تتيح إمكانية الإطباق على الأهداف من مسافة 1000 متر بدقة تتراوح بين 80% و90% حتى في حال انقطاع الاتصال المباشر، ويكشف هذا عن مستقبل قاتم للجيوش التي تعتمد على الاستيراد فقط.
فبينما تسارع الإمارات لتشغيل 3 منظومات ليزرية من 3 دول مختلفة، وبينما تختار السعودية منظومة الصياد الصامت الصينية، يبقى السؤال الجوهري معلقا: هل تستطيع هذه المنظومات الباهظة الثمن الصمود في وجه أسراب لا تتجاوز تكلفة الواحدة منها 500 دولار؟ فالإجابة كما يخلص المقال بسيطة ومرعبة في آن واحد: فالجيوش التي تتقن مواجهة السلاح الرخيص بمثله، والكثرة بالكثرة، والذكاء الاصطناعي بنظيره، هي وحدها القادرة على الصمود.