الحرب الأوكرانية تكشف تفوق المقاتلة سو-35 العملياتي على المقاتلة سو-57

العقوبات والحرب تحولان الطائرة سو-35 من مقاتلة انتقالية إلى ركيزة روسيا الجوية الأساسية (مصدر الصورة: موقع الدفاع العربي) العقوبات والحرب تحولان الطائرة سو-35 من مقاتلة انتقالية إلى ركيزة روسيا الجوية الأساسية (مصدر الصورة: موقع الدفاع العربي)

أفاد موقع الدفاع العربي أن مقاتلة سو-35 كان من المفترض أن تكون مجرد حل انتقالي تمهيدا لدخول سو-57 إلى الخدمة، لكن المفارقة أنها تحولت تدريجيا إلى العمود الفقري الفعلي للقوات الجوية الروسية، فعندما أعادت شركة سوخوي إدخال مشروع T-10BM إلى الخدمة عام 2009 بطلب من وزارة الدفاع الروسية، كان الهدف واضحا ومحددا وهو إنتاج منصة مؤقتة تمهد لمقاتلة الجيل الخامس PAK FA التي أصبحت لاحقا سو-57.

وكان المطلوب اختبار وتطوير محرك 117S وأنظمة التحكم الرقمي في الطيران وقمرة القيادة الزجاجية، على أن يتم سحب سو-35 لاحقا إلى دور ثانوي بمجرد دخول سو-57 مرحلة الإنتاج الكمي، لكن ما حدث لاحقا قلب هذه المعادلة تماما، إذ تحولت "المرحلة الانتقالية" إلى منصة قتال رئيسية.

وقد دفعت سو-35 بمفهوم المقاتلة "4++" إلى أقصى حد ممكن، فهي تعتمد على محركين AL-41F1S يولدان قوة دفع تصل إلى نحو 147 كيلونيوتن باستخدام الحارق اللاحق، مع فوهات دفع موجه ثلاثي الأبعاد تمنح الطائرة قدرة عالية على المناورة تشمل حركات مثل "الكوبرا" و"السقوط الورقي".

الفجوة بين الطموح التكنولوجي والواقع الصناعي الروسي

وكشف الموقع إن الطائرة سو-57 لم تدخل الخدمة الفعلية بشكل واسع إلا في ديسمبر 2020، وبحلول عام 2026 لم يتجاوز عدد ما تم إنتاجه 42 طائرة، بما في ذلك النماذج الأولية، بينما لا يتوفر في الخدمة القتالية الفعلية سوى بضع عشرات فقط، وكانت الخطط الأصلية تتوقع وصول العدد إلى 22 طائرة بحلول 2025 و76 طائرة بحلول 2028، إلا أن الواقع العملي بقي أقل بكثير من هذه الأرقام.

في المقابل تمتلك روسيا قرابة 100 مقاتلة سو-35 في الخدمة، مع إنتاج إجمالي يتجاوز 139 طائرة يتم تصنيعها بشكل مستقر في مصنع كومسومولسك، بمعدل يتراوح بين 8 و10 طائرات سنويا، وخلال عام 2024 وحده، تسلمت القوات الروسية 24 طائرة جديدة، بالتوازي مع خسائر قدرت بنحو 23 طائرة في أوكرانيا، ما جعل عملية التعويض تعتمد أساسا على سو-35 وسو-34، بينما بقي حضور سو-57 محدودا للغاية.

ويكشف هذا التباين الصارخ في أرقام الإنتاج عن فجوة عميقة بين الطموح التكنولوجي والواقع الصناعي، حيث فرضت العقوبات وتأخر تطوير محرك "المنتج 30" والتعقيدات التقنية قيودا خانقة على برنامج سو-57.

المقاتلة Su-35S روسية تطلق صاروخ R-37M (مصدر الصورة: موقع الدفاع العربي)

حرب الاستنزاف تكشف الوجه الحقيقي للتفوق العملياتي

وبحسب الموقع تم في الحرب الأوكرانية، اختبار الأداء الحقيقي بعيدا عن الأرقام النظرية، حيث اعتمدت سو-35 على مدى يصل إلى نحو 4000 كيلومتر وسقف خدمة يبلغ 18 ألف متر، ونفذت مهامها محملة بصواريخ R-37M بعيدة المدى وصواريخ Kh-31 المضادة للإشعاع الراداري، منفذة ضربات من العمق الروسي بسرعة تقترب من 2 ماخ قبل الانسحاب السريع.

ورغم تسجيل خسائر مؤكدة تجاوزت عشرة طائرات منذ بدء الحرب، فإن معدلات الطلعات وسهولة الصيانة جعلاها منصة قتال قابلة للاستمرار والاعتماد عليها ميدانيا.

أما سو-57، فغالبا ما تستخدم من الخلف لإطلاق صواريخ كروز من نوع Kh-69، مع ظهور محدود في مهام دعائية أو بعيدة عن نطاق الدفاعات الجوية الأوكرانية مثل منظومات باتريوت.

وفي الواقع العملياتي، لم تعد معايير التفوق تقاس فقط بالشبحية أو الحداثة التقنية، بل بقدرة الطائرة على تنفيذ طلعات متكررة، وحمل حمولة قتالية كبيرة، والعمل ضمن بيئة حرب استنزاف، وهو ما تتفوق فيه سو-35 بشكل واضح على أختها الأحدث.

الحروب الحديثة تعيد تعريف مفهوم التفوق الجوي العسكري

وذكر الموقع أن هذا "التحول" لم يكن نتيجة قفزة تكنولوجية، بل نتيجة ظروف صناعية واقتصادية قاسية، فالقوات الجوية الروسية تمتلك نحو 1200 طائرة مقاتلة، بينها حوالي 550 طائرة تقترب من نهاية عمرها التشغيلي، بينما تفرض العقوبات ضغوطا كبيرة على الميزانية وسلاسل الإمداد.

وفي هذا السياق تكفي كلفة طائرة سو-57 لشراء طائرتين من سو-35 تقريبا، دون الحاجة إلى انتظار اكتمال خطوط إنتاج جديدة أو حلول تقنية معقدة، ومع طول أمد "المرحلة الانتقالية"، تحولت سو-35 من مجرد منصة اختبار إلى ركيزة عملياتية أساسية.

ويروي هذا التحول قصة أعمق عن طبيعة الحروب الحديثة، فالتفوق التكنولوجي النظري لا يضمن التفوق العملياتي الفعلي، والقدرة على الإنتاج الكمي المستدام والصيانة الميدانية السريعة قد تتفوق في النهاية على الميزات التقنية المتطورة التي يصعب إنتاجها ونشرها بأعداد كافية، وهكذا فإن الطائرة التي كان يفترض أن تكون مجرد جسر نحو الجيل الخامس، أصبحت فعليا ذلك الجسر الذي لا تزال القوات الروسية تعبر عليه حتى اليوم.