كندا تعيد رسم عقيدتها الجوية عبر مزيج من مقاتلات إف-35 وغريبن المتطورة

كندا تسعى لتقليل اعتمادها العسكري على الولايات المتحدة عبر صفقة مقاتلات جديدة (مصدر الصورة: Defense Arabia) كندا تسعى لتقليل اعتمادها العسكري على الولايات المتحدة عبر صفقة مقاتلات جديدة (مصدر الصورة: Defense Arabia)

أفاد موقع Defense Arabia أن كندا تتجه نحو تبني استراتيجية جديدة في صفقة مقاتلاتها الجوية، تعتمد على تقسيم الطلبية لتشمل نحو 30 طائرة شبحية من طراز إف-35 الأميركية، و60 مقاتلة من طراز غريبن السويدية، تأتي هذه الخطوة في إطار مساعي رئيس الوزراء مارك كارني للحد من الاعتماد العسكري الكندي المتزايد على الولايات المتحدة، في ظل توترات تجارية وسياسية بين أوتاوا وواشنطن.

ويعكس التقسيم المقترح رغبة كندية واضحة في تنويع مصادر التسليح الجوي، وعدم وضع كل القدرات القتالية في سلة واحدة خاضعة للسيطرة الأميركية، فالصفقة المرتقبة تعد من أكبر صفقات المقاتلات في تاريخ كندا، حيث تهدف إلى تحديث أسطولها الجوي المتقاعد الذي لا يزال يعتمد على طائرات إف-18 القديمة.

إن هذا التحول الاستراتيجي قد يفتح الباب أمام نماذج جديدة من الشراكات الدفاعية الغربية، تتجاوز الهيمنة الأميركية التقليدية على حلف شمال الأطلسي.

مقاتلة الجيل الخامس الشبحية الأمريكية F-35A (مصدر الصورة: Banassa‏)

التصنيع المحلي يتجاوز مفهوم شراء السلاح التقليدي

وذكر الموقع أن شركة ساب السويدية قدمت عرضا مغريا يقضي بتصنيع مقاتلات غريبن المخصصة لتلبية احتياجات كل من كندا وأوكرانيا بشكل مباشر على الأراضي الكندية.

ومن شأن هذا المشروع الطموح أن يخلق نحو 9000 فرصة عمل محلية، بحسب ما أوردته صحيفة لا بريس، فالعرض السويدي يمثل نقلة نوعية في مفهوم الصفقات الدفاعية، حيث لا تقتصر الفائدة على الحصول على منظومات قتالية متطورة، بل تمتد إلى بناء قدرات صناعية محلية دائمة.

بالنسبة لكندا التي تسعى إلى تعزيز قطاعها الصناعي الدفاعي، يبدو العرض مغريا للغاية، خاصة في ظل وعود بخلق آلاف الوظائف عالية المهارة.

أما أوكرانيا بدورها تمثل طرفا مهما في هذه المعادلة، إذ تعاني قواتها الجوية من نقص حاد في المقاتلات الحديثة في مواجهة التفوق الجوي الروسي، فتصنيع غريبن لأوكرانيا داخل الأراضي الكندية يضمن تدفقا مستقرا للإمدادات بعيدا عن خطوط المواجهة، كما يمنح أوتاوا دورا محوريا في دعم كييف عسكريا دون الحاجة إلى نشر قواتها.

إن هذا التعاون الثلاثي بين كندا والسويد وأوكرانيا يعكس تحولا في التحالفات الدفاعية الغربية، حيث تتحول الدول المتوسطة إلى مراكز إنتاج وتصنيع عسكري لصالح حلفائها، مما يقلص الاعتماد التقليدي على الصناعات الأميركية العملاقة.

سلاح جو متعدد الطبقات لمواجهة التحديات الحديثة

وكشف الموقعةأن الطائرة إف-35 الأميركية تمثل العمود الفقري لمستقبل القوات الجوية الغربية بفضل قدراتها الشبحية المتطورة، وشبكة الاستشعار المدمجة، وقدرتها على العمل في بيئات الدفاع الجوي المعادية دون اكتشافها بسهولة، لكن ثمنها الباهظ الذي يتجاوز 80 مليون دولار للطائرة الواحدة، إضافة إلى تكاليف الصيانة المرتفعة، جعلها عبئا على ميزانيات بعض الدول.

في المقابل تقدم مقاتلة غريبن السويدية حلا اقتصاديا أكثر مرونة، حيث تبلغ تكلفتها نحو 40 إلى 50 مليون دولار للطائرة الواحدة، مع قدرة تشغيلية متميزة على الإقلاع والهبوط من مدارج قصيرة وغير مجهزة، وهو ما يخدم الظروف الجغرافية الكندية الواسعة والمتجمدة.

ويمنح الجمع بين النوعين في سلاح جو واحد كندا قدرات متعددة الطبقات: فتستخدم إف-35 للمهام عالية الخطورة في العمق خلف خطوط الدفاع الجوي، وغريبن للمهام الدفاعية الاعتيادية والاستطلاع والدعم الجوي القريب بتكلفة تشغيلية أقل.

إن هذه الرؤية المتوازنة تشبه نماذج تشغيلية سابقة لبعض القوات الجوية الأوروبية، لكنها ستكون الأولى من نوعها بهذا الحجم في أميركا الشمالية، ونجاح هذه الاستراتيجية قد يحفز دولا أخرى مثل سويسرا وفنلندا، التي اشترت إف-35، إلى التفكير في إضافة أسطول ثان من المقاتلات الأخف كلفة لتحقيق التوازن.

الطائرة المقاتلة السويدية متعددة المهام من شركة ساب "غريبن" (مصدر الصورة: army-tech.net)

أسطول مختلط يمنح كندا مرونة غير مسبوقة

ولفت الموقع إلى أنه منذ سنوات، تسعى كندا إلى استبدال أسطولها من طائرات إف-18 التي دخلت الخدمة في الثمانينيات، والتي أظهرت تقادمها في مواجهة التحديات الجوية الحديثة، فالصفقة الجديدة التي قد تتجاوز قيمتها 15 مليار دولار، تمثل أكبر استثمار دفاعي في تاريخ كندا، لكن الأبعاد السياسية هنا لا تقل أهمية عن الأبعاد العسكرية.

ويرى رئيس الوزراء مارك كارني، الذي يواجه ضغوطا داخلية لتقليل الاعتماد على واشنطن بعد سلسلة من الخلافات التجارية حول الخشب والألبوم ومنصات الطاقة، في هذه الصفقة فرصة لتنويع الشراكات الاستراتيجية، فكندا تقليديا كانت واحدة من أكثر حلفاء الولايات المتحدة ولاء داخل الناتو، لكن التوجهات الحمائية للسياسات الأميركية الأخيرة دفعت أوتاوا إلى إعادة النظر في علاقاتها الدفاعية.

كما أن السويد التي انضمت حديثا إلى الناتو، تمثل شريكا أوروبيا مثاليا لكندا، تجمعها به قيم ديمقراطية مشتركة ورغبة في تعزيز القدرات الصناعية الدفاعية الذاتية، وفي حال اكتملت الصفقة، ستكون كندا أول دولة تشغل أسطولا مختلطا بهذا الحجم من المقاتلات الشبحية والخفيفة خارج أوروبا، مما يمنحها نموذجا فريدا لقوات جوية حديثة قادرة على التكيف مع مختلف السيناريوهات التهديدية.

غريبن الكندية قد تمنح أوكرانيا شريان دعم طويل الأمد

ونوه الموقع إلى أن البند الأوكراني يشكل في عرض ساب السويدية أحد أكثر جوانب الصفقة إثارة للاهتمام، فتصنيع مقاتلات غريبن موجهة إلى أوكرانيا داخل مصانع كندية يعني أن كييف ستحصل على طائرات حديثة دون الحاجة إلى انتظار دورها في طوابير الإنتاج السويدية المزدحمة.

فأوكرانيا التي دمر سلاحها الجوي السوفيتي بشكل شبه كامل بعد ثلاث سنوات من الحرب، تحتاج إلى أسطول غربي موحد لتتمكن من صد الطائرات الروسية والصواريخ الباليستية، وتقدم طائرة غريبن بقدرتها على العمل من مدارج متضررة وصيانتها البسيطة نسبيا، خيارا مناسبا للظروف الأوكرانية.

إن هذا البند يضع كندا في موقع شريك دفاعي مباشر لأوكرانيا، إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا وبولندا، مما يعزز دور أوتاوا الدولي، إذا تمت الصفقة، ستكون هذه أول مرة تُنتج فيها مقاتلات غربية متطورة لحساب دولة في حالة حرب على أراض ثالثة، وهو سابقة قانونية وسياسية قد تتبعها دول أخرى.

كما أن وجود مصانع غريبن في كندا يضمن استمرارية الدعم لأوكرانيا لسنوات قادمة، بغض النظر عن تقلبات الإرادة السياسية في ستوكهولم أو واشنطن، مما يمنح كييف استقرارا استراتيجيا في تخطيط قواتها الجوية للمستقبل.