نجح علماء الفلك في إعداد أكبر وأدق خريطة للمجالات المغناطيسية في الكون حتى الآن، في خطوة قد تساعد على فهم أحد أكثر الألغاز العلمية تعقيداً، وهو كيفية نشوء هذه المجالات وانتشارها عبر الفضاء.
وتحمل الخريطة الجديدة اسم SPICE-RACS، وقد أُنشئت اعتماداً على بيانات جمعها التلسكوب الراديوي الأسترالي ASKAP.
رسم أدق خريطة مغناطيسية كونية ( مصدر الصورة: CSIRO )
لماذا تعد المجالات المغناطيسية مهمة؟
تشكل المجالات المغناطيسية جزءاً أساسياً من بنية الكون، إذ تؤثر في حركة الجسيمات المشحونة التي تدخل في تكوين النجوم والكواكب والمجرات.
ورغم أن العلماء ما زالوا يجهلون بدقة كيفية تشكل هذه المجالات لأول مرة، فإن الأدلة تشير إلى وجودها في مختلف أنحاء الكون، بدءاً من كوكب الأرض ووصولاً إلى أبعد المجرات المعروفة.
كما أن المجال المغناطيسي للأرض هو المسؤول عن عمل البوصلات ويساعد العديد من الطيور المهاجرة على تحديد اتجاهاتها أثناء التنقل لمسافات طويلة.
كيف يرصد العلماء المجالات المغناطيسية؟
يعتمد علماء الفلك على التلسكوبات الراديوية لدراسة المجالات المغناطيسية غير المرئية.
فعندما ينتقل الضوء القادم من النجوم والمجرات عبر الفضاء، يتأثر بالمجالات المغناطيسية الموجودة في طريقه، ما يؤدي إلى تغيير اتجاه استقطابه.
ومن خلال تحليل هذا الاستقطاب، خصوصاً في الموجات الراديوية، يستطيع العلماء رسم صورة غير مباشرة للمجالات المغناطيسية المنتشرة في الكون.
مشروع SPICE-RACS يتفوق على جميع الخرائط السابقة
كانت أكبر خريطة للمجالات المغناطيسية قد أُنجزت عام 2009، إلا أن المشروع الجديد تجاوزها بفارق كبير من حيث الدقة وحجم البيانات.
واستخدم العلماء في المشروع تلسكوب ASKAP، الذي يتكون من 36 هوائياً راديوياً ويتميز بقدرته على مسح مساحات واسعة من السماء بسرعة وكفاءة.
دراسة ملايين المجرات
خلال المشروع، قام الباحثون برصد ما يقرب من أربعة ملايين مجرة بعيدة.
ومن بين هذه البيانات الضخمة، تمكن العلماء من استخراج معلومات مغناطيسية دقيقة من نحو 350 ألف مجرة، وهو رقم يزيد بنحو عشرة أضعاف حجم البيانات المستخدمة في أكبر الدراسات السابقة.
وتظهر الخريطة الجديدة المجالات المغناطيسية بألوان مختلفة:
اللون الأحمر يمثل المجالات المغناطيسية المتجهة نحو الأرض.
اللون الأزرق يمثل المجالات المغناطيسية المتجهة بعيداً عن الأرض.
ويشبه هذا التمثيل الاتجاهات المغناطيسية المعروفة في البوصلة بين الشمال والجنوب.
الكشف عن بنية درب التبانة
تكشف الخريطة تفاصيل واسعة للمجالات المغناطيسية داخل مجرتنا Milky Way، إضافة إلى آثار لمجالات مغناطيسية موجودة في مناطق بعيدة من الكون.
ويأمل الباحثون أن تساعد هذه البيانات في فهم كيفية تشكل المجرات وتطورها، وكذلك دراسة العلاقة بين المجالات المغناطيسية والغازات الكونية والنجوم.
بيانات مفتوحة للعلماء حول العالم
أكد فريق البحث أن جميع البيانات التي جُمعت ضمن مشروع SPICE-RACS أصبحت متاحة للمجتمع العلمي العالمي.
ومن المتوقع أن تسهم هذه القاعدة الضخمة من المعلومات في دعم أبحاث جديدة حول أصل المجالات المغناطيسية الكونية، وتطور المجرات، والبنية واسعة النطاق للكون.
ويرى العلماء أن هذه الخريطة تمثل خطوة مهمة نحو فهم أحد العناصر الأساسية التي ساهمت في تشكيل الكون كما نعرفه اليوم.