توصل باحثون من مركز جامعة تكساس ساوث وسترن الطبي إلى أن حرق الدهون داخل خلايا القلب دون ضوابط استقلابية طبيعية قد يؤدي إلى استنزاف أحد أنواع الدهون الأساسية اللازمة للحفاظ على كفاءة الميتوكوندريا، وهي مراكز إنتاج الطاقة داخل الخلايا.
وأظهرت نتائج الدراسة، التي نُشرت في دورية Journal of Clinical Investigation، وجود آلية بيولوجية تربط بين اضطراب استقلاب الطاقة وتطور فشل القلب ، كما تفتح المجال أمام استراتيجيات جديدة للتدخل المبكر قبل حدوث أضرار قلبية كبيرة.
إعادة النظر في مفهوم حرق الدهون لصحة القلب
قال الباحث الرئيسي للدراسة الدكتور جاي هورتون، مدير مركز التغذية البشرية وأستاذ الطب الباطني وعلم الوراثة الجزيئية في جامعة تكساس ساوث وسترن، إن النتائج تتحدى الاعتقاد السائد منذ سنوات بأن زيادة حرق الدهون تعود دائمًا بالفائدة على القلب.
وأوضح أن الدراسة أظهرت أن أكسدة الأحماض الدهنية بشكل مفرط وغير منضبط يمكن أن تؤدي بشكل غير متوقع إلى تدمير البنية الداخلية للميتوكوندريا من خلال استنزاف مادة الكارديوليبين، وهي دهون بنيوية ضرورية للحفاظ على سلامة هذه العضيات الحيوية.
كيف يحصل القلب على الطاقة؟
تُعد عملية أكسدة الأحماض الدهنية المصدر الرئيسي للطاقة في القلب السليم، إذ تعتمد خلايا القلب بشكل كبير على الدهون لتلبية احتياجاتها المستمرة من الطاقة.
ومع تطور فشل القلب، يلاحظ الأطباء عادة تحول القلب تدريجيًا من استخدام الدهون إلى الاعتماد بصورة أكبر على الجلوكوز. وقد أثار هذا التغير جدلا علميا طويلا حول ما إذا كان انخفاض أكسدة الدهون يساهم في المرض أم يمثل آلية دفاعية تساعد القلب على التكيف مع التدهور الوظيفي.
وتشير نتائج الدراسة الجديدة إلى أن هذا التحول قد يكون في بعض الحالات وسيلة لحماية الميتوكوندريا عندما تصبح عملية استقلاب الدهون مفرطة وغير متوازنة.
حذف إنزيمين رئيسيين أدى إلى تدهور وظائف القلب
لفهم تأثير فقدان القدرة على تنظيم استخدام الوقود داخل القلب، قام الباحثون بحذف إنزيمين مرتبطين ببعضهما وراثيا من خلايا عضلة القلب لدى الفئران، وهما:
أسيتيل مرافق الإنزيم A كربوكسيلاز 1 (ACC1).
أسيتيل مرافق الإنزيم A كربوكسيلاز 2 (ACC2).
وتساعد هذه الإنزيمات عادة في تنظيم كمية الأحماض الدهنية التي تدخل إلى الميتوكوندريا لإنتاج الطاقة.
وأظهرت النتائج أن غياب هذا التنظيم أدى إلى تضخم القلب وضعف قدرته على ضخ الدم بكفاءة.
استنزاف حمض دهني أساسي وراء تلف الميتوكوندريا
كشفت التحليلات الإضافية عن تفاصيل الآلية التي أدت إلى تلف القلب.
فقد تسبب الحرق المفرط للدهون في استنزاف حمض اللينوليك، وهو حمض دهني يحصل عليه الجسم من الغذاء ويحتاجه القلب للحفاظ على مستويات الكارديوليبين.
ومع انخفاض مستويات الكارديوليبين، بدأت أنظمة إنتاج الطاقة داخل الميتوكوندريا بالتعطل، ما أدى في النهاية إلى إصابة الفئران بـاعتلال عضلة القلب التوسعي، وهو أحد أشكال فشل القلب الذي يتميز بتضخم القلب وضعف قدرته على الانقباض وضخ الدم.
أدوية وقائية أظهرت فاعلية قبل ظهور المرض
اختبر الباحثون أيضًا إمكانية الحد من دخول الأحماض الدهنية إلى الميتوكوندريا لمعرفة ما إذا كان ذلك يؤثر في تطور المرض.
وقال الباحث الأول للدراسة الدكتور تشاي-وان كيم إن توقيت العلاج الموجه لأكسدة الأحماض الدهنية يلعب دورًا حاسمًا في نجاحه.
وأظهرت النتائج أن الأدوية التي تثبط بروتين CPT1، المسؤول عن نقل الأحماض الدهنية إلى الميتوكوندريا، نجحت في منع تطور فشل القلب عندما أُعطيت في المراحل المبكرة قبل ظهور خلل وظيفي في القلب.
لكن العلاج نفسه لم يتمكن من تحسين وظائف القلب بعد تطور اعتلال عضلة القلب بشكل فعلي.
أهمية التشخيص والتدخل المبكر
تشير النتائج قبل السريرية إلى أن العلاجات التي تستهدف عمليات الاستقلاب داخل القلب قد تكون أكثر فاعلية إذا استُخدمت قبل حدوث تراجع كبير في وظائف القلب.
كما سلطت الدراسة الضوء على أهمية الكارديوليبين والدهون المرتبطة بالميتوكوندريا باعتبارها مؤشرات محتملة لتقييم خطر الإصابة بأمراض القلب أو أهدافا علاجية مستقبلية، مع تأكيد الباحثين الحاجة إلى مزيد من الدراسات للتحقق من حدوث الآليات نفسها لدى البشر.
اختلاف تأثير استقلاب الدهون بين أعضاء الجسم
تستند الدراسة إلى أبحاث سابقة أجراها مختبر هورتون أظهرت أن تثبيط إنزيمي ACC1 وACC2 يمكن أن يقلل تراكم الدهون في الكبد.
إلا أن النتائج الجديدة كشفت أن تأثير تعديل استقلاب الدهون قد يختلف بصورة كبيرة بين أعضاء الجسم المختلفة، إذ إن ما قد يكون مفيدا للكبد ليس بالضرورة مفيدا للقلب.
مرونة استقلابية بدلاً من زيادة أو تقليل حرق الدهون
أكد الدكتور هورتون أن الهدف العلاجي لا ينبغي أن يقتصر على زيادة أو خفض أكسدة الأحماض الدهنية بشكل مباشر.
وأوضح أن القلب يحتاج إلى مرونة استقلابية تسمح بالحفاظ على أكسدة الدهون ضمن نطاق صحي ومتوازن، وهو أمر ضروري لإنتاج الطاقة والمحافظة على سلامة أغشية الميتوكوندريا.
وأضاف أن هذا التوازن قد يمثل أساسا لتطوير استراتيجيات علاجية جديدة لمواجهة فشل القلب مستقبلا.
انعكاسات محتملة على أمراض مرتبطة بالسمنة والسكري
يرى الباحثون أن نتائج الدراسة قد تسهم في توجيه أبحاث مستقبلية حول أمراض القلب المرتبطة بالسمنة ومرض السكري من النوع الثاني ومتلازمة التمثيل الغذائي، وهي حالات قد تعرض القلب لفترات طويلة من فرط الدهون، ما يزيد احتمالات حدوث اضطرابات استقلابية وتلف في عضلة القلب.