ذكر موقع Defense Arabia أن الرئيس التنفيذي لشركة راينميتال الألمانية العملاقة في مجال الصناعات الدفاعية، أرمين بابيرغر، حذر من أن مشروع "نظام القتال البري الرئيسي" (MGCS) يواجه مخاطر وجودية جدية، مشيراً إلى احتمال انسحاب فرنسا من هذا البرنامج المشترك أو تقليص حضورها فيه بشكل جذري.
ففي تصريحات أدلى بها بابيرغر لصحيفة "فيلت آم زونتاغ" الألمانية، الصادرة في 13 يونيو 2026، أكد أن باريس تدرس تخفيض ميزانية البرنامج إلى ما دون نصف الخطط الأصلية، محذراً من انعكاسات هذا القرار على جدول زمني يعاني أصلاً من تعثر متراكم، وقال بصراحة لافتة: "إن توفر لديك مال أقل، فلن تسير أسرع، ونحن بطيئون جداً أصلاً".
الطموحات الأوروبية تصطدم بالواقع المالي والسياسي
وبحسب الموقع إن تصريحات بابيرغر تعد الأكثر صراحة التي يطلقها مسؤول في شركة شريكة بشأن مصير مشروع طال انتظاره، وتضع برنامج MGCS في مواجهة مباشرة مع واقع مالي وسياسي معقد، حيث اتفقت برلين وباريس عام 2017 على إطلاق مشروع MGCS، الهادف إلى استبدال دبابتي ليوبارد 2 الألمانية ولوكلير الفرنسية بمنظومة قتال برية متكاملة متعددة المنصات، يتوقع دخولها الخدمة بحلول عام 2040.
فالطموح لا يقتصر على تطوير دبابة تقليدية فحسب، بل يشمل منظومة شاملة تضم مركبات مأهولة ومسيرة، وطائرات مسيرة رافقة، وأسلحة ليزر، وتقنيات ذكاء اصطناعي واتصالات متطورة، وعلى الرغم من المضي في الإجراءات التأسيسية، كشف بابيرغر أن الشركات الشريكة لم تتلق منذ انطلاق المشروع سوى 25 مليون يورو (نحو 29 مليون دولار)، وهو رقم شحيح بالقياس إلى ضخامة البرنامج وتعقيده.
ومع التقليصات الفرنسية المرتقبة، يخشى الشركاء الألمان من أن يتحول مشروع بهذا الحجم إلى ورقة سياسية بلا قيمة عملية على أرض الواقع، إن هذا التحذير يأتي في سياق بالغ الثقل، إذ يتزامن مع انهيار مشروع دفاعي فرنسي-ألماني مواز هو برنامج "نظام القتال الجوي المستقبلي" (FCAS/SCAF)، الخاص بتطوير مقاتلة الجيل السادس الأوروبية.
دبابة القتال الرئيسية الألمانية من الجيل الرابع ليوبارد 3 (مصدر الصورة: Defense Arabia)
الخلافات الصناعية تهدد الاستقلالية الدفاعية الأوروبية
وكشف الموقع أن مجلة "دير شبيغل" الألمانية أعلنت، في يونيو 2026، أن الخلافات بين شركتي داسو للطيران وإيرباص حول توزيع الأدوار وحقوق الملكية الفكرية بلغت نقطة انسداد فعلي، مما دفع إلى التخلي عملياً عن هذا المشروع بصيغته الراهنة، كما تلقي الخلافات القائمة حول الهيكل الحوكمي لشركة KNDS بظلالها على طبيعة العلاقة بين البلدين داخل مشروع MGCS نفسه.
حيث يرى المراقبون أن تعثر كلا البرنامجين الكبيرين في آن واحد يلقي بظلاله الثقيلة على مسار الاستقلالية الدفاعية الأوروبية، في وقت تسعى فيه القارة جاهدة إلى بناء قدراتها الذاتية بعيداً عن الاتكاء الكامل على واشنطن.
وفي مواجهة هذا الغموض، لجأت شركتا راينميتال وKNDS ألمانيا إلى تطوير مسار بديل يتمثل في دبابة "ليوبارد 3"، المرتقب دخولها الخدمة في مطلع الثلاثينيات من هذا القرن، لسد الفراغ الميداني ريثما يتضح المصير النهائي لمنظومة MGCS.
إن هذا المسار البديل يعكس حالة الاستنفار داخل الصناعة الألمانية، التي تدرك أن الانتظار حتى يحسم الجدل الفرنسي الداخلي حول التمويل قد يكلفها خسارة القدرة التنافسية لعقود قادمة، فدبابة ليوبارد 3، وإن كانت حلاً مؤقتاً، قد تتحول إلى البديل الدائم إذا استمرت باريس في موقفها المتردد.
مستقبل الأمن الأوروبي عالق بين الوعود والميزانيات
وأوضح الموقع أن ما يجري يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل أوروبا تمتلك إرادة سياسية حقيقية لترجمة طموحاتها الدفاعية المشتركة إلى واقع ملموس؟ أم أن الاعتبارات الصناعية والمالية الوطنية ستظل أقوى من كل خطاب وحدوي؟ ففي الوقت الذي تعيد فيه القارة رسم استراتيجياتها الدفاعية، يبدو أن الشيطان يكمن في تفاصيل الميزانياتية لا في النوايا السياسية.
ويذهب بابيرغر أبعد من ذلك حين أقر قائلاً: "لا أستطيع اليوم الجزم بأن مشروع MGCS سيستمر"، فهذه العبارة الموجزة تحمل في طياتها مأساة الدفاع الأوروبي: مشاريع ضخمة تستهلك مليارات اليوروهات في الدراسات والاجتماعات، لكنها تتعثر عند أول اختبار حقيقي لتقاسم الأعباء وتوزيع الأدوار.
فبينما تتسارع دول العالم في تطوير قدراتها الدفاعية، يبدو أن أوروبا لا تزال عالقة في دائرة الخلافات الوطنية، تاركة مستقبل أمنها القاري معلقاً بين وعود السياسيين وميزانياتهم المثقلة.