طور باحثون من قسم الهندسة الحيوية في كلية سوانسون للهندسة بجامعة بيتسبرغ تقنية تصوير متقدمة تتيح إنشاء خرائط ثلاثية الأبعاد دقيقة للأعصاب داخل أنسجة المفاصل، دون الحاجة إلى إتلاف العينات كما يحدث في الطرق التقليدية.
ويهدف هذا الإنجاز إلى فهم كيفية توزع وتشعب الأعصاب داخل المفاصل، ودراسة علاقتها بالألم المزمن، بما قد يساعد على تفسير أسباب اضطرابات المفصل الفكي الصدغي.
رسم خريطة الأعصاب داخل المفاصل ( مصدر الصورة: جامعة بيتسبرغ )
فهم أفضل لآلام المفصل الفكي الصدغي
يسعى العلماء إلى معرفة العلاقة بين البنية العصبية للمفاصل والإحساس بالألم، وهو أمر لا يزال غير مفهوم بشكل كامل.
ويُعد المفصل الفكي الصدغي من أكثر المفاصل تعقيدا في جسم الإنسان، إذ يربط الفك السفلي بعظام الجمجمة على جانبي الوجه، ويعمل كمفصل انزلاقي يسمح بحركات أساسية مثل الكلام، والمضغ، والتثاؤب.
وتشمل اضطرابات هذا المفصل أكثر من 30 حالة مرضية قد تسبب الألم وصعوبة في أداء وظائف الفك.
الطرق التقليدية تدمر البنية الطبيعية للأنسجة
اعتمدت الدراسات السابقة على تقطيع أنسجة المفاصل إلى شرائح رقيقة وصبغها بمواد خاصة لإظهار الخلايا العصبية تحت المجهر.
لكن هذه الطريقة تؤدي إلى فقدان البنية ثلاثية الأبعاد للأنسجة، مما يمنع الباحثين من تتبع مسار الأعصاب وتشعباتها داخل المفصل بصورة كاملة.
التصوير الفلوري يكشف الأعصاب دون إتلافها
للتغلب على هذه المشكلة، استخدم الفريق البحثي المجهر الفلوري بالإضاءة الصفائحية (Light-Sheet Fluorescence Microscopy) إلى جانب تقنية تعرف باسم توضيح الأنسجة (Tissue Clearing)، والتي تجعل الأنسجة أكثر شفافية مع الحفاظ على بنيتها الأصلية.
وسمح هذا النهج بالحصول على صور ثلاثية الأبعاد دقيقة توضح توزيع الأعصاب وتشعباتها داخل المفصل دون الحاجة إلى تقطيع الأنسجة.
تقنية c-Clear تحقق أفضل النتائج
قارن الباحثون بين طريقتين مختلفتين لتوضيح الأنسجة، وأظهرت النتائج أن تقنية c-Clear قدمت أفضل أداء.
وأنتجت هذه الطريقة خرائط ثلاثية الأبعاد عالية الدقة للبنية العصبية، لكنها تتطلب وقتًا طويلًا، إذ يستغرق إعداد صورة واحدة ما بين 6 و8 أسابيع.
ورغم ذلك، أكد الباحثون أن جودة النتائج تبرر هذا الوقت، لأنها تكشف تفاصيل دقيقة لا يمكن رؤيتها باستخدام التقنيات التقليدية.
خرائط ضخمة تصل إلى تيرابايت من البيانات
أدى المستوى العالي من التفاصيل إلى إنتاج ملفات رقمية ضخمة، حيث قد يصل حجم الخريطة العصبية الواحدة إلى تيرابايت كامل من البيانات، بينما يبلغ حجم بيانات المشروع بأكمله نحو 16 تيرابايت.
ويجري تخزين هذه البيانات ومعالجتها باستخدام البنية التحتية الحاسوبية التابعة لمركز التصوير الحيوي، قبل إتاحتها للباحثين عبر قواعد بيانات مفتوحة.
البداية كانت بمفصل ركبة الفئران
استخدم الباحثون مفصل ركبة الفئران كنموذج أولي لاختبار التقنية ضمن مشروع بحثي أوسع يحمل اسم ReJoin، يهدف إلى إنشاء خرائط للبنية العصبية في أنواع مختلفة من المفاصل.
ويخطط الفريق لاحقا لتطبيق هذه التقنية على المفصل الفكي الصدغي لدى الإنسان، في محاولة لفهم العلاقة بين توزيع الأعصاب وشدة الألم.
ويأمل الباحثون أن تساعد هذه الخرائط في تفسير سبب اختلاف الأعراض بين المرضى، إذ قد تُظهر الفحوص وجود تغيرات واضحة في المفصل لدى بعض الأشخاص دون أن يشعروا بألم يُذكر، بينما يعاني آخرون من آلام شديدة رغم أن صور المفصل لا تُظهر تغيرات كبيرة.