توصل باحثون من جامعة تكساس إيه آند إم (Texas A&M University) إلى نتائج جديدة تدعم فرضية علمية قديمة تشير إلى أن بعض العدوى الفيروسية قد تسهم في تطور مرض باركنسون ، من خلال إحداث تلف طويل الأمد في الخلايا العصبية المسؤولة عن إنتاج الدوبامين.
وأظهرت الدراسة، التي أُجريت على الفئران ونُشرت في مجلة Brain, Behavior, and Immunity – Health، أن فيروسا يصيب الفئران قادر على إحداث تلف دماغي يستمر حتى بعد اختفاء العدوى.
فرضية قديمة تعود إلى الواجهة
تطور مرض باركنسون ( مصدر الصورة: Texas A&M University )
لطالما افترض العلماء أن بعض الفيروسات قد تؤدي إلى تدمير الخلايا العصبية في الدماغ، ما يجعل الأشخاص أكثر عرضة للإصابة بمرض باركنسون عند اجتماع عوامل وراثية وبيئية أخرى.
وتستند هذه الفرضية إلى ملاحظات تاريخية، من بينها ارتفاع حالات الاضطرابات العصبية بعد جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918.
فيروس يستهدف الخلايا المنتجة للدوبامين
استخدم الباحثون فيروس التهاب الدماغ والنخاع الفأري لثايلر (Theiler's Murine Encephalomyelitis Virus - TMEV)، وهو فيروس يصيب الفئران طبيعيًا ولا ينتقل إلى البشر.
وأظهرت النتائج أن الفيروس يهاجم الخلايا العصبية المنتجة لمادة الدوبامين، وهي الخلايا نفسها التي تتضرر لدى مرضى باركنسون داخل منطقة من الدماغ تُعرف باسم المادة السوداء (Substantia Nigra)، المسؤولة عن تنظيم الحركة.
استمرار الأعراض بعد زوال الفيروس
أكدت الدراسة أن الفيروس تسبب في تدمير الخلايا المنتجة للدوبامين، لكن النتيجة الأهم كانت استمرار اضطرابات الحركة لدى الفئران حتى بعد تخلص أجسامها من الفيروس.
وأجرى الباحثون سلسلة من اختبارات الحركة والتوازن على مدى 20 أسبوعا، ولاحظوا استمرار أعراض تشبه مرض باركنسون، مثل ضعف التناسق الحركي وبطء الحركة.
ويرى الفريق أن هذه النتائج تشير إلى أن الضرر العصبي الناتج عن العدوى قد يستمر لفترات طويلة، حتى في غياب الفيروس نفسه.
نموذج جديد لدراسة باركنسون
تعتمد معظم الدراسات الحالية على نماذج حيوانية يجري فيها إحداث تلف للخلايا العصبية باستخدام تعديلات جينية أو مواد كيميائية سامة.
لكن الباحثين أوضحوا أن هذه النماذج لا تعكس دائما الطريقة التي يتطور بها المرض لدى البشر.
وقالت الباحثة كانديس برينكماير-لانغفورد إن التعرض للمواد السامة لا يؤدي بالضرورة إلى الإصابة بباركنسون، لذلك فإن النماذج التقليدية لا تفسر جميع العوامل التي قد تسهم في ظهور المرض.
وأضافت أن النموذج الجديد قد يساعد على فهم المراحل الأولى لتطور المرض إذا كانت العدوى الفيروسية تمثل أحد العوامل المساهمة.
الفيروس ليس السبب الوحيد
شدد الباحثون على أن الدراسة لا تثبت أن الفيروسات وحدها تسبب مرض باركنسون، وإنما تشير إلى أنها قد تُحدث تلفا أوليا في الدماغ يجعل الشخص أكثر عرضة للإصابة عند وجود عوامل أخرى، مثل الاستعداد الوراثي أو المؤثرات البيئية.
وأوضحت برينكماير-لانغفورد أن بعض الفيروسات معروفة بإحداث أمراض مختلفة تبعا للعوامل الوراثية لدى المصابين، مشيرة إلى أن فيروس إبشتاين-بار يرتبط بداء كثرة الوحيدات، كما تشير أبحاث إلى احتمال ارتباطه ببعض أنواع السرطان والتصلب المتعدد، في حين يمكن لفيروس SARS-CoV-2 التأثير في القلب والدماغ إلى جانب الرئتين.
أهمية النتائج
أكد الباحثون أن فيروس TMEV لا يصيب البشر، ولذلك لا تعني الدراسة وجود خطر مباشر على الإنسان.
ومع ذلك، فإن فهم كيفية تطور التلف العصبي بعد العدوى الفيروسية قد يساعد في الكشف عن آليات الإصابة بمرض باركنسون لدى البشر، ويفتح المجال أمام تطوير وسائل جديدة للوقاية أو العلاج.
ويُعد مرض باركنسون ثاني أكثر الأمراض العصبية التنكسية شيوعا في العالم بعد الخرف، إذ يؤثر في أكثر من 10 ملايين شخص، بينما تشير التوقعات إلى استمرار ارتفاع أعداد المصابين مع تقدم السكان في العمر، ما يزيد الحاجة إلى تطوير خيارات علاجية أكثر فاعلية.