كشف تقرير نشره موقع Responsible Statecraft عن تراجع متزايد في القدرات العملياتية لـ البحرية الأمريكية، ناسبا ذلك إلى انخفاض أعداد السفن وتفاقم أزمات الصيانة واستمرار الضغوط على الأطقم البحرية، وهي عوامل جعلت الأسطول الأمريكي أقل قدرة على خوض نزاعات بحرية واسعة أو الحفاظ على انتشاره العالمي التقليدي.
ويرى التقرير أن البحرية باتت مضطرة إلى تركيز الجزء الأكبر من قدراتها في مسرح عمليات واحد بدلا من توزيع قواتها على عدة مناطق كما اعتادت خلال العقود الماضية.
ويأتي هذا التراجع في وقت تواصل فيه واشنطن تعزيز وجودها البحري من البحر الأبيض المتوسط حتى المحيط الهندي دعما لعملياتها المرتبطة بإيران، حيث تنتشر في المنطقة حاملتا طائرات وست سفن هجومية برمائية إلى جانب تسع عشرة مدمرة وطراد، فيما فرض إعلان الرئيس ترامب إعادة الحصار على الموانئ الإيرانية ضغوطا إضافية على الأسطول.
من هيمنة عالمية إلى أسطول محدود الانتشار
وأفاد التقرير بأن البحرية الأمريكية شهدت تراجعا كبيرا مقارنة بما كانت عليه عقب الحرب العالمية الثانية، حين بلغ عدد سفنها عام 1945 أكثر من 6700 سفينة، وهو ما منحها آنذاك قدرة غير مسبوقة على الانتشار حول العالم.
وخلال حرب فيتنام احتفظت البحرية بأكثر من 900 سفينة، قبل أن ينخفض العدد في أواخر سبعينيات القرن الماضي إلى نحو 450 سفينة، ورغم محاولات إدارة الرئيس ريغان إعادة بناء الأسطول ليقترب من 600 سفينة، فإن نهاية الحرب الباردة فتحت مرحلة طويلة من تقليص حجم القوات البحرية الأمريكية.
وتسجل معطيات التقرير أن القوة القتالية الأساسية للأسطول اليوم لا تتجاوز نحو 180 سفينة رئيسية، تشمل حاملات الطائرات والسفن الهجومية البرمائية والغواصات الهجومية والمدمرات الموجهة بالصواريخ، بينما باتت البحرية الصينية تمتلك عددا أكبر من السفن القتالية مقارنة بالولايات المتحدة.
ورغم أن السفن الأمريكية تتمتع بقدرات قتالية متقدمة، يعتبر التقرير أنها تعاني نقصا واضحا في السفن المساندة اللازمة لمهام الحراسة والدوريات وإزالة الألغام ومرافقة القطع الرئيسية، وينتقد برنامج سفن القتال الساحلي LCS الذي كان يهدف إلى سد هذه الفجوة، شارحا أن عددا منها دخل الخدمة ثم أخرج مبكرا بسبب مشكلات فنية متكررة وعدم جاهزيتها العملياتية.
حاملة الطائرات جيرالد فورد التابعة للبحرية الأمريكية (مصدر الصورة: Petty Officer 3rd Class Tajh Pay/US Navy)
أزمة الصيانة تنهك جاهزية السفن الأمريكية
كما لفت التقرير إلى أن التحدي الثاني يتمثل في أزمة الصيانة التي تضرب الأسطول الأمريكي، إذ إن انخفاض عدد السفن يجعل كل قطعة بحرية تتحمل أعباء تشغيلية أكبر.
ووفقا للقاعدة التشغيلية المعتادة، تحتاج البحرية إلى ثلاث سفن لضمان استمرار انتشار سفينة واحدة في الخارج، إلا أن تصاعد التوترات الدولية دفع القيادة إلى تمديد فترات الانتشار إلى مستويات غير مسبوقة.
ويضرب التقرير مثالا بحاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن USS Abraham Lincoln، التي بقيت منتشرة في بحر العرب لأكثر من 210 يوم متواصل دون التوقف في أي ميناء، وهو رقم قياسي يعكس حجم الضغوط على الأسطول.
ويقر التقرير بأن هذه الوتيرة تستهلك السفن بسرعة، في وقت لا تمتلك فيه الولايات المتحدة بنية تحتية كافية للصيانة، إذ استغرقت بعض عمليات إصلاح الغواصات ما يصل إلى ثماني سنوات، بينما خرجت الغواصة النووية يو إس إس بويز USS Boise من الخدمة بعد إصلاحات بلغت تكلفتها نحو 800 مليون دولار، رغم إنجاز نسبة محدودة من الأعمال.
وتظهر بيانات التقرير أن نحو 40% من أسطول الغواصات الأمريكي غير قادر حاليا على الانتشار بسبب تأخر الصيانة، وهو ما ينعكس أيضا على السفن السطحية.
الإرهاق البشري يهدد استمرارية الانتشار
وأكد التقرير أن العنصر البشري يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه البحرية الأمريكية إلى جانب المشكلات التقنية، إذ أدى استمرار الانتشار لفترات طويلة إلى تراجع معنويات البحارة وزيادة الضغوط على أسرهم، وهو ما انعكس على معدلات الاحتفاظ بالأفراد.
ونقل التقرير عن نائب الأدميرال المتقاعد فيل وايسكوب Phil Wisecup أن الدراسات أوصت منذ التسعينيات بعدم تجاوز مدة الانتشار ستة أشهر إلا في ظروف استثنائية، وهو معيار تخلت عنه البحرية عقب هجمات 11 سبتمبر.
فمنذ ذلك الحين باتت البحرية تعمل بوتيرة انتشار تشبه الحروب الكبرى، مع تحول فترة العشرة أشهر من الخدمة إلى واقع معتاد لدى المدمرات والسفن البرمائية في الشرق الأوسط.
ويختم التقرير بأن البحرية الأمريكية لم تعد تمتلك قدرة الحرب العالمية الثانية أو الباردة، وباتت أقرب إلى قوة تدير أزمة واحدة بدلا من حضور متزامن في محيطات عدة.