كشف موقع الدفاع العربي أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وافقت مبدئيا على اتفاق تاريخي للتعاون النووي المدني مع المملكة العربية السعودية يمتد لمدة ثلاثين عاما، إذ جرى التفاوض بشأنه بموجب المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي لعام 1954، وتقدر قيمته بعشرات المليارات من الدولارات.
ورغم انتهاء المفاوضات بين واشنطن والرياض في أكتوبر 2025، لا يزال مشروع الاتفاق بانتظار توقيع الرئيس ترامب، فيما يتوقع أن يوقعه لاحقا وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ونظيره السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان.
وبحسب مصادر مطلعة، أسهمت الحرب الجارية مع إيران في تأخير حسم الملف، إذ اعتبر ترامب أن أحد أهدافها منع طهران من استخدام اليورانيوم المخصب لأغراض عسكرية، بينما يرى بعض أعضاء الكونغرس أن التأجيل مرتبط بمخاوف من قرار رفض قد يعرقل دخول الاتفاق حيز التنفيذ.
شراكة نووية تعزز النفوذ الأمريكي في الخليج
وأفاد الموقع أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض، ومنع كل من روسيا والصين من الحصول على دور رئيسي في البرنامج النووي المدني السعودي، إذ يضع الإطار القانوني الذي يسمح للشركات الأمريكية ببناء البنية التحتية للطاقة النووية، بما يشمل المفاعلات وسلسلة إمدادات الوقود النووي والتقنيات المرتبطة بها.
ويرجح أن تكون شركة Westinghouse Electric أكبر المستفيدين من الاتفاق، من خلال اعتماد مفاعلها AP1000 القادر على إنتاج نحو 1100 ميغاواط من الكهرباء، وهي قدرة تكفي لتغذية مدينة متوسطة الحجم أو مراكز بيانات ضخمة للذكاء الاصطناعي.
وترى الرياض أن الطاقة النووية عنصر أساسي لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء وتقليل استهلاك النفط محليا بما يتيح زيادة صادرات الخام، في حين تعتبر إدارة ترامب أن الاتفاق فرصة لإحياء صناعة الطاقة النووية الأمريكية وتعزيز نفوذها في الخليج على حساب المنافسين الدوليين.
تخصيب اليورانيوم يشكل أبرز نقاط الخلاف في الاتفاق
كما أوضح الموقع أن أكثر بنود الاتفاق حساسية يتمثل في السماح بإمكانية إنشاء منشأة لتخصيب اليورانيوم داخل السعودية، وهو أمر يختلف عن معظم الاتفاقيات النووية الأمريكية السابقة، إذ ينص الاتفاق على دراسة مشتركة تستمر عامين لتقييم جدوى التخصيب محليا مقارنة باستيراد الوقود من الخارج.
وفي حال أثبتت الدراسة جدوى المشروع، ستنشئ شركات أمريكية المنشأة وفق نظام يعرف بـ"الصندوق الأسود"، بحيث تبقى التقنية الحساسة خارج متناول الجانب السعودي دون نقل المعرفة التقنية المرتبطة بها، على أن يمنع الاتفاق الرياض من تنفيذ أي مشروع تخصيب مستقل أو بالتعاون مع دولة أخرى لمدة عشر سنوات إذا اعترضت واشنطن بعد انتهاء الدراسة.
وبحسب وثائق اطلعت عليها شبكة CNN، فإن مشروع الاتفاق لا يلزم الرياض بالانضمام إلى البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يمنح تفتيشا أوسع، ويكتفي بنظام رقابة يجمع بين ضمانات الوكالة وآليات متابعة ثنائية بين البلدين.
الكونغرس يترقب مراجعة اتفاق 123 قبل دخوله حيز التنفيذ
وذكر الموقع أن الاتفاق يمثل خروجا واضحا عما يعرف بـ"المعيار الذهبي" في الاتفاقيات النووية الأمريكية، فبموجب الاتفاق الذي وقعته واشنطن مع الإمارات عام 2009 تعهدت أبوظبي بشكل دائم بعدم تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود المستهلك، في حين رفضت الرياض تقديم التزام مماثل وأبقت المسألة مفتوحة لترتيبات مستقبلية ضمن الضمانات المتفق عليها.
وأوردت أربعة مصادر أن الاتفاق، الذي يضم اتفاقية التعاون المدني المعروفة بـ"اتفاقية 123" إلى جانب اتفاقية ضمانات إلزامية، لم يحل بعد إلى الكونغرس للمراجعة كما يفرض القانون بعد توقيع الرئيس، علما أن المشرعين يملكون مهلة مراجعة إلزامية تصل إلى تسعين يوما من انعقاد جلساتهم، وأنه في حال عدم صدور قرار مشترك برفضه خلال هذه المهلة سيدخل حيز التنفيذ تلقائيا، بينما يملك ترامب حق النقض الذي لا يستطيع الكونغرس تجاوزه إلا بأغلبية الثلثين في المجلسين.
خبراء يحذرون من مخاطر الانتشار النووي في المنطقة
وأكد الموقع نقلا عن خبراء تحدثوا لشبكة CNN أن الاتفاق قد يفتح أمام الرياض مسارا نحو امتلاك قدرات نووية عسكرية ما لم تفرض ضوابط صارمة، خصوصا أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان سبق أن صرح بأن المملكة ستسعى لامتلاك سلاح نووي إذا نجحت إيران في تطوير قنبلة.
وترى كيلسي دافنبورت من رابطة الحد من التسلح أن البروتوكول الإضافي وضع خصيصا لمنح الوكالة الدولية صلاحيات أوسع بعد ثبوت قصور الضمانات التقليدية، فيما حذرت أندريا ستريكر من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات من أن غياب هذا البروتوكول يقلص قدرة الوكالة على كشف أنشطة نووية غير معلنة، مستشهدة بتجربة العالم الباكستاني عبد القدير خان الذي نقل تقنيات التخصيب إلى إيران وليبيا وكوريا الشمالية.
في المقابل، يرى دان جوينر أستاذ القانون بجامعة ألاباما أن فوائد التعاون النووي السلمي تفوق مخاطر الانتشار المتبقية، محذرا من أن رفض واشنطن قد يدفع الرياض نحو روسيا أو الصين للحصول على تقنية نووية بشروط أقل تشددا.
التعاون النووي يعزز الشراكة الاستراتيجية بين واشنطن والرياض
ولفت الموقع إلى أن الاتفاق يأتي ضمن توسع أوسع في التعاون الاستراتيجي بين البلدين، إذ تسارعت المفاوضات عقب زيارة ترامب إلى السعودية في مايو 2025، ثم زيارة ولي العهد إلى البيت الأبيض في نوفمبر من العام نفسه التي شهدت توقيع اتفاق الدفاع الاستراتيجي واتفاقات تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي إلى جانب الإعلان المشترك للتعاون النووي المدني، وعلى خلاف إدارة الرئيس السابق جو بايدن لم تربط إدارة ترامب هذا التعاون بتطبيع العلاقات مع إسرائيل رغم استمرار تشجيع الرياض على الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام.
وتشدد الرياض باستمرار على أن برنامجها النووي يهدف إلى إنتاج الطاقة وتنويع مصادرها ضمن رؤية 2030، فيما يرى مراقبون أن نجاح النموذج السعودي قد يدفع دولا أخرى في المنطقة نحو طلب اتفاقيات مماثلة، بما يعيد رسم ملامح التوازن النووي والاستراتيجي في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.