اكتشف علماء من جامعة براون الأمريكية طفرات جينية لدى الطفيليات المسببة للملاريا ، تؤدي إلى انخفاض حساسيتها تجاه عدد من الأدوية الشائعة، ما يجعل علاج العدوى أكثر صعوبة.
ونشرت الدراسة في مجلة Nature Medicine، بعد أن قام الباحثون بتحليل جينومات طفيليات الملاريا التي جرى جمعها من مرضى في أفريقيا.
وتساعد النتائج في تفسير التراجع الكبير في فعالية العلاج الدوائي المركب المستخدم لمواجهة الملاريا في بعض المناطق، كما تكشف عن آليات جينية جديدة مرتبطة بمقاومة الطفيليات للأدوية.
طفرات تهدد علاج الملاريا ( مصدر الصورة: Wikimedia )
الملاريا في أفريقيا
لا تزال الملاريا واحدة من أخطر الأمراض في دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
وخلال العقدين الماضيين، اعتمدت أوغندا بشكل رئيسي على العلاج المركب القائم على مادة الأرتيميسينين لعلاج المرض.
لكن الاستخدام واسع النطاق لهذه الأدوية أدى مع مرور الوقت إلى ضغط انتقائي على الطفيليات، ما ساعد السلالات الأكثر قدرة على تحمل الأدوية على البقاء والتكاثر.
ويثير انخفاض استجابة الطفيليات للأدوية مخاوف كبيرة لدى المتخصصين في مجال الصحة، خصوصا مع ظهور حالات لم تعد فيها الجرعات القياسية من العلاج قادرة على القضاء على العدوى لدى بعض المرضى.
تحليل جيني واسع للطفيليات
لفهم أسباب تراجع فعالية العلاج، أجرى علماء الأحياء دراسة واسعة على عينات دم مأخوذة من أشخاص مصابين بالملاريا.
واستخدم الباحثون تقنية تسلسل الجينوم الكامل للكشف عن التغيرات الجينية التي قد تكون مرتبطة بمقاومة الأدوية.
وبعد ذلك، استعان الفريق بتحليل حاسوبي لتتبع التغيرات التي حدثت في الحمض النووي للطفيليات المسببة للمرض بصورة دقيقة.
وساعد هذا الأسلوب العلماء على تحديد عوامل وراثية لم يكن من السهل اكتشافها باستخدام طرق التحليل التقليدية.
69 جينا مرتبطا بمقاومة الأدوية
اكتشف الباحثون منطقة محددة في جينوم طفيل الملاريا تتكون من 69 جينا مترابطا.
وفي هذه المنطقة، وجد العلماء مجموعة من المتغيرات الجينية تضمنت 3 طفرات نقطية وحذفين جينيين.
وارتبط وجود هذه العلامات الجينية بشكل مباشر بانخفاض حساسية الطفيليات تجاه ثلاثة أدوية هي:
الأرتيميسينين.
اللوميفانترين.
الميفلوكين.
ويشير الباحثون إلى أن اكتشاف مقاومة مركبة تجاه عدة مواد فعالة في الوقت نفسه يمثل حالة غير مسبوقة من حيث طبيعة هذه المجموعة من العلامات الجينية.
بروتين يرتبط بمقاومة العلاج
أظهرت النتائج أن التغيرات التي حدثت في الجين المسؤول عن إنتاج بروتين PX1 المرتبط بالفوسفوإينوزيتيد كان لها التأثير الأكبر في مقاومة العدوى للعلاج.
وغالبا ما يوجد هذا الجين بالقرب من مناطق جينية مرتبطة بدرجات جزئية من مقاومة العلاج.
وساعدت النتائج الجديدة في تفسير سبب تراجع فعالية دواء اللوميفانترين، وهي آلية ظلت غير واضحة للعلماء حتى الآن.
ويرى الباحثون أن العلامة الجزيئية التي جرى تحديدها يمكن أن تصبح أداة مهمة في أنظمة مراقبة انتشار العدوى ومقاومة الطفيليات للأدوية.
انتشار سريع للطفرات
أظهرت الدراسة أن التغيرات الجينية التي اكتشفها الباحثون تنتشر بسرعة بين مجموعات طفيليات الملاريا في أوغندا.
وتشير سرعة انتشار هذه الطفرات إلى أنها تمنح الطفيليات ميزة مهمة للبقاء في البيئة التي تتعرض فيها للأدوية المضادة للملاريا.
ويعتقد الباحثون أن هذه التغيرات الجينية قد تساعد الطفيليات الحاملة لها على الاستمرار والتكاثر رغم العلاج، ما يساهم في زيادة انتشار السلالات المقاومة.
لكن مدى انتشار السلالة الجديدة خارج أوغندا لا يزال غير معروف حتى الآن.
ويحتاج العلماء إلى مزيد من الدراسات لتحديد مدى تأثير هذه الطفيليات المقاومة على النتائج السريرية للعلاج لدى المصابين بالملاريا.
الحاجة إلى أدوية جديدة
تسلط هذه النتائج الضوء على الحاجة إلى تطوير نماذج تنبؤية يمكن استخدامها لتقدير المدة التي ستظل خلالها الأدوية الحالية فعالة في مواجهة الطفيليات.
ويحتاج مسؤولو الصحة إلى أدوية جديدة بشكل عاجل للحد من انتشار الملاريا ومواجهة تطور مقاومة الطفيليات للعلاجات المستخدمة حاليا.
كما يمكن أن يساعد إدخال العلامات الجينية التي اكتشفها الباحثون في أنظمة المراقبة الصحية على اكتشاف انتشار المقاومة في وقت مبكر، ما يتيح تعديل استراتيجيات العلاج قبل أن تصبح المشكلة أكثر اتساعا.
المراقبة الجينية ضرورية
يرى الباحثون أن المراقبة الجينية المنتظمة للطفيليات تظل من أهم الوسائل اللازمة لمتابعة تطور مقاومتها للأدوية.
ويمكن لتحليل التغيرات في جينومات الطفيليات أن يساعد الجهات الصحية على اكتشاف الطفرات الخطرة مبكرا، ومراقبة انتشارها جغرافيا، وتقييم تأثيرها على فعالية العلاجات.
ومع استمرار تطور طفيليات الملاريا، يصبح الجمع بين المراقبة الجينية وتطوير أدوية جديدة وتحديث خطط العلاج أمرا أساسيا للحد من قدرة المرض على الانتشار ومواجهة مقاومة الأدوية.