كشف باحثون من معهد غارفان للأبحاث الطبية عن اختلافات مهمة في طريقة عمل الخلايا المناعية لدى الرجال والنساء، بعد تحليل ملفات جينية لخلايا مناعية منفردة.
وأظهرت الدراسة أن جهاز المناعة لدى النساء مهيأ وراثيا لإطلاق استجابات التهابية أقوى، وهو ما قد يمنحهن قدرة أكبر على مقاومة بعض العدوى، لكنه قد يزيد في المقابل من خطر حدوث اضطرابات في الجهاز المناعي.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة The American Journal of Human Genetics.
أكثر من 1000 مفتاح جيني
اختلافات واضحة في جهاز المناعة ( مصدر الصور: Freepik )
حدد الباحثون أكثر من 1000 مفتاح جيني يمكن أن تساعد في تفسير سبب زيادة استعداد النساء للإصابة بأمراض المناعة الذاتية.
وتحدث أمراض المناعة الذاتية عندما يهاجم جهاز المناعة أنسجة الجسم السليمة عن طريق الخطأ.
وتصيب هذه الأمراض النساء بمعدلات أعلى بكثير من الرجال. فعلى سبيل المثال، تصيب الذئبة الحمامية الجهازية نحو تسع نساء مقابل كل رجل مصاب بها.
ولفترة طويلة، ظلت العوامل الجينية التي تقف وراء هذا الاختلاف بين الجنسين غير مفهومة بشكل كاف.
تحليل أكثر من 1.25 مليون خلية
كانت دراسة الاختلافات المناعية بين الرجال والنساء تواجه في السابق قيودا تقنية.
فالتحليل التقليدي لعينات الدم يقيس متوسط نشاط خليط كبير من الخلايا، ما يجعل من الصعب تحديد السلوك الخاص بكل نوع من الخلايا على حدة.
لكن التقنيات الحديثة أتاحت للعلماء دراسة الخلايا الفردية بدرجة أعلى من التفصيل.
وفي هذه الدراسة، قام الفريق بتحليل التسلسل الجيني لأكثر من 1.25 مليون خلية وحيدة النواة من الدم المحيطي مأخوذة من نحو 1000 شخص سليم.
وأتاح ذلك للباحثين مقارنة الخصائص الجزيئية للخلايا المناعية لدى الرجال والنساء بشكل أكثر دقة.
خلايا مناعية مختلفة بين الجنسين
أظهرت مقارنة الملفات الخلوية أن هناك أنماطا واضحة في طريقة عمل الجهاز المناعي لدى الجنسين.
فقد كانت نسبة الخلايا الوحيدة، أو المونوسيتات، أعلى لدى الرجال. وتعمل هذه الخلايا كخط استجابة سريع عند تعرض الجسم لتهديدات مختلفة.
كما كان النشاط الجيني للخلايا لدى الرجال أكثر تركيزا على الوظائف الأساسية للحفاظ على الخلايا وإنتاج البروتينات.
أما لدى النساء، فكانت هناك نسبة أعلى من الخلايا البائية والخلايا التائية التنظيمية، إلى جانب نشاط أكبر في المسارات المرتبطة بالالتهاب.
استجابة مناعية أقوى لدى النساء
تشير هذه النتائج إلى أن جهاز المناعة لدى النساء يتمتع بقدرة أعلى على الاستجابة للالتهابات.
وقد يمثل هذا النشاط المناعي المرتفع ميزة في مواجهة بعض العدوى الفيروسية، لكنه قد يحمل في المقابل تكلفة بيولوجية تتمثل في زيادة الاستعداد للإصابة بأمراض المناعة الذاتية.
فعندما يكون جهاز المناعة في حالة استعداد مرتفعة باستمرار، يمكن أن تزداد احتمالية حدوث استجابة مناعية خاطئة تستهدف أنسجة الجسم نفسه.
في المقابل، تبدو الخلايا المناعية لدى الرجال أقل استعدادا للاستجابات الالتهابية، وهو ما قد يزيد من قابلية الإصابة ببعض أنواع العدوى والأورام غير المرتبطة بالجهاز التناسلي.
مفاتيح جينية تعمل بطريقة مختلفة
ركز الباحثون على مفاتيح جينية تعمل بشكل مختلف بين الرجال والنساء.
وتعمل هذه العناصر الجينية كمنظمات لنشاط الجينات، حيث يمكنها التأثير في مستوى تشغيل جينات معينة أو تثبيطها.
وكان من اللافت أن هذه المفاتيح لم تتركز، كما كان يمكن توقعه، بشكل أساسي على الكروموسومات الجنسية X وY.
بل وجد الباحثون أن معظمها موجود على الكروموسومات الجسمية، وهي الكروموسومات غير الجنسية الموجودة لدى الرجال والنساء على حد سواء.
ارتباط بعض الجينات بالذئبة
حدد العلماء أيضا بعض المنظمات الجينية المرتبطة بشكل مباشر بخطر الإصابة بأمراض معينة.
وكشف الباحثون عن متغيرات جينية محددة تؤثر في التعبير عن جينين مرتبطين بمرض الذئبة.
وتشير هذه النتائج إلى أن الاختلافات في نشاط جهاز المناعة بين الرجال والنساء لا ترتبط فقط بالهرمونات أو الاختلافات الفسيولوجية، بل يمكن أن يكون لها أساس جيني أكثر تعقيدا.
نحو علاجات أكثر تخصيصا
يمكن أن تمهد هذه الاكتشافات الطريق أمام تطوير أساليب علاج شخصية لأمراض المناعة الذاتية وغيرها من اضطرابات الجهاز المناعي.
وفي المستقبل، قد يصبح من الممكن اختيار العلاج بناء على الطريقة التي يعمل بها جهاز المناعة لدى كل مريض على المستوى الجيني الأساسي.
وقد يساعد هذا النهج على تطوير علاجات أكثر دقة، تراعي الاختلافات الفردية في الاستجابة المناعية بدلا من الاعتماد على طريقة علاج واحدة لجميع المرضى.