اكتشاف شفرة فيزيائية للحمض النووي تتحكم في نشاط الجينات

شكل الحمض النووي يحدد كيفية عمل الجينات ( مصدر الصور: Unsplash ) شكل الحمض النووي يحدد كيفية عمل الجينات ( مصدر الصور: Unsplash )

اكتشف فريق دولي من العلماء أدلة على وجود ما يمكن وصفه بـ«شفرة فيزيائية» داخل الحمض النووي، إلى جانب الشفرة الجينية المعروفة.

وتشير النتائج إلى أن الخصائص الفيزيائية لجزيء الحمض النووي، مثل شكله ودرجة مرونته وقدرته على الانحناء والالتواء، يمكن أن تؤثر في نشاط الجينات داخل الخلايا.

وعلى الرغم من أن معظم خلايا الجسم تحتوي على المجموعة الجينية نفسها، فإن الجينات النشطة تختلف من نوع خلية إلى آخر. ففي الخلايا العصبية تعمل مجموعة معينة من الجينات، بينما تنشط مجموعة مختلفة في الخلايا العضلية.

لماذا تعمل الجينات بشكل مختلف؟

شفرة فيزيائية داخل الحمض النووي ( مصدر الصور: Unsplash )

حتى يعمل جين معين، يجب أن يتمكن بروتين منظم خاص من الوصول إليه والارتباط به.

لكن الحمض النووي داخل الخلية لا يكون ممددا بشكل مستقيم، بل يكون مضغوطا ومنظما بإحكام، كما يلتف حول بروتينات تعمل مثل البكرات.

ولهذا السبب، لا تكون جميع أجزاء الحمض النووي متاحة بالسهولة نفسها للبروتينات المنظمة.

ولا يعتمد ذلك على تسلسل الجينات فقط، بل يرتبط أيضا بالشكل الفيزيائي لجزيء الحمض النووي، بما في ذلك مدى قابليته للانحناء والالتواء والتغير في شكله.

شكل الحمض النووي يؤثر في نشاط الجينات

اشتبه العلماء منذ فترة طويلة في أن هناك، إلى جانب الشفرة الجينية، ما يمكن تسميته بالشفرة الفيزيائية للحمض النووي.

ويقصد بذلك الخصائص البنيوية والميكانيكية للجزيء التي تحدد الطريقة التي يتصرف بها داخل الخلية.

فعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون أحد أجزاء الحمض النووي مرنا وقابلا للانحناء بسهولة، ما يسمح للبروتين المنظم بالوصول إليه والارتباط به.

وفي المقابل، قد يكون جزء آخر أكثر صلابة ومضغوطا بإحكام، ما يجعل الوصول إليه أكثر صعوبة، وبالتالي يبقى الجين الموجود فيه في حالة غير نشطة.

محاكاة حاسوبية واسعة النطاق

لدراسة هذه الخصائص، أجرى فريق دولي من العلماء للمرة الأولى تحليلا واسع النطاق لخصائص أعداد كبيرة من أجزاء الحمض النووي باستخدام عمليات محاكاة حاسوبية متقدمة.

وحسب الباحثون سلوك جميع التركيبات القصيرة الممكنة من النيوكليوتيدات، وهي الوحدات الأساسية التي يتكون منها الحمض النووي، مع مراقبة حركة كل ذرة داخل الجزيئات التي تمت دراستها.

وتطلبت هذه المهمة عدة أشهر من العمل باستخدام مئات أجهزة الكمبيوتر، لتصبح واحدة من أكبر عمليات المحاكاة الحاسوبية من هذا النوع.

وخلال عمليات المحاكاة، تشكلت أزواج تعرف باسم أزواج هوغستين، وهي أنماط من الارتباط بين قواعد الحمض النووي يمكن أن تؤثر في بنيته.

تسلسل الحمض النووي يحدد مرونته

أظهرت النتائج أن تسلسل أجزاء الحمض النووي يؤثر في مرونة الجزيء وشكله الفيزيائي.

وهذا يعني أن التغيير في ترتيب النيوكليوتيدات يمكن أن يؤدي إلى تغير في الخصائص الميكانيكية للحمض النووي، حتى إذا لم يغير هذا التغيير المعلومات الجينية بالطريقة التقليدية المعروفة.

وبعبارة أخرى، لا تحدد حروف الشفرة الجينية فقط المعلومات التي يحملها الحمض النووي، بل يمكن أن تؤثر أيضا في الطريقة التي يتخذ بها الجزيء شكله ويتحرك داخل الخلية.

التطور يحافظ على استقرار الحمض النووي

قارن الباحثون نتائج المحاكاة مع بيانات جينومية حقيقية من أنواع مختلفة.

وأظهرت المقارنة أن التطور حافظ على الطفرات التي تسبب أقل قدر من التغير في الخصائص الفيزيائية للحمض النووي.

وتشير هذه النتيجة إلى أن الانتخاب الطبيعي قد لا يحافظ فقط على الطفرات التي تؤثر مباشرة في وظيفة الجينات، بل قد يحافظ أيضا على التغيرات التي تحافظ على الاستقرار الميكانيكي لجزيء الحمض النووي.

بعد جديد لفهم الجينات

تضيف هذه النتائج بعدا جديدا إلى فهم العلماء لكيفية تنظيم نشاط الجينات.

فالمعلومات الموجودة في الحمض النووي لا تعتمد فقط على تسلسل النيوكليوتيدات، وإنما يمكن أن تلعب الخصائص الفيزيائية للجزيء نفسه دورا في تحديد الجينات التي يمكن الوصول إليها وتنشيطها داخل الخلية.

وقد يساعد فهم هذه العلاقة بين تسلسل الحمض النووي وشكله ومرونته على توضيح بعض الآليات التي تتحكم في نشاط الجينات، كما يمكن أن يوفر مستقبلا أدوات جديدة لدراسة الأمراض المرتبطة باضطراب تنظيم الجينات.