خريطة عالمية تكشف مستويات خطيرة من تلوث الأنهار والبحيرات بمواد سامة

علماء روس يرسمون خريطة عالمية لتلوث الأنهار والبحيرات ( مصدر الصور: Magnific ) علماء روس يرسمون خريطة عالمية لتلوث الأنهار والبحيرات ( مصدر الصور: Magnific )

قد تبدو مياه النهر نظيفة للعين، لكن الحالة الحقيقية للنظام البيئي قد تكون مخفية في الرواسب الموجودة في القاع. وتشبه هذه الرواسب أرشيفا كيميائيا يسجل التلوث ويتراكم فيه على مدى عقود.

وللمرة الأولى، جمع علماء من جامعة الجنوب الفيدرالية الروسية بيانات عالمية حول المواد السامة الناتجة عن عمليات الاحتراق والموجودة في رواسب المسطحات المائية العذبة، بدءا من نهر الدون الأدنى والأنهار القطبية في سيبيريا، وصولا إلى أنهار الأمازون والنيل والميسيسيبي، ما أتاح رسم صورة عالمية لمستويات التلوث.

مواد سامة تتراكم في الرواسب

ركزت الدراسة على الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs)، وهي مجموعة من المركبات الكيميائية التي تتشكل أثناء حرق الوقود، سواء في السيارات أو محطات الطاقة الحرارية أو خلال الحرائق أو في المنشآت الصناعية.

ولا تذوب هذه المواد بسهولة ولا تختفي من البيئة، بل تستقر في قاع المسطحات المائية وتتراكم هناك على مدى سنوات. ولذلك، فإن دراسة طريقة انتقالها وتغيرها وتركيزها تعد مهمة لفهم تأثيرها في النظم البيئية المائية.

دراسة تعتمد على مئات الأبحاث

بحسب المكتب الصحفي لجامعة الجنوب الفيدرالية في تصريحات لموقع ناوكا ميل، فإن الدراسة لم تعتمد على أخذ عينات ميدانية جديدة، وإنما كانت مراجعة واسعة النطاق للبيانات العلمية المتاحة.

وحلل الباحثون مئات الدراسات العلمية وقارنوا مستويات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات في رواسب أكبر الأنهار والبحيرات في العالم. وأتاح ذلك، للمرة الأولى، تكوين صورة شاملة عن تلوث المياه العذبة بهذه المواد السامة.

إجمالي تركيز الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات في رواسب أكبر الأنظمة النهرية في العالم

التلوث يختبئ في قاع الأنهار والبحيرات ( مصدر الصور: Magnific )

تفاوت كبير بين الأنهار والبحيرات

لإظهار حجم الفروق، لا يتجاوز متوسط تركيز الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات في أنظف الأنهار، مثل كوليما وإنديغيركا ولينا في سيبيريا، 90 ميكروغراما لكل كيلوغرام.

ويقترب هذا المستوى من الخلفية الطبيعية للبيئة.

في المقابل، يصل تركيز هذه المواد في نهر السند في باكستان إلى 43,200 ميكروغرام لكل كيلوغرام.

أما في بحيرة فيكتوريا في أفريقيا، فيبلغ التركيز 66,800 ميكروغرام لكل كيلوغرام، بينما يصل في بحيرة إيري الواقعة بين الولايات المتحدة وكندا إلى 29,200 ميكروغرام لكل كيلوغرام.

وهذه المستويات أعلى بمئات وآلاف المرات من المستويات المسجلة في الأنهار السيبيرية.

تجاوز كبير للحدود البيئية في بعض المناطق

هناك معيار آخر مهم يستخدم في روسيا لتقييم حالة الرواسب في قاع المسطحات المائية، وهو مستوى 1000 ميكروغرام لكل كيلوغرام.

وعندما يتجاوز تركيز الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات هذه القيمة، يعد مستوى التلوث مرتفعا.

وفي أكثر المسطحات المائية تلوثا في العالم، يتجاوز التركيز هذا الحد بعشرات المرات. ففي نهر السند يتجاوز المستوى الحد الروسي بنحو 43 مرة، وفي بحيرة إيري بنحو 29 مرة، بينما يصل التجاوز في بحيرة فيكتوريا إلى نحو 66 مرة.

وللمقارنة، تصل تركيزات هذه المركبات في نهري الدون والفولغا، اللذين يعدان من أكثر الأنهار تلوثا في الجزء الأوروبي من روسيا، إلى نحو 2500-3000 ميكروغرام لكل كيلوغرام.

وهذه القيم تتجاوز أيضا الحد المحدد، لكنها لا تزال أقل بكثير من المستويات القياسية المسجلة في بعض المسطحات المائية الأكثر تلوثا حول العالم.

المدن والصناعة في مقدمة مصادر التلوث

قالت تاتيانا مينكينا، الأستاذة والدكتورة في العلوم البيولوجية ورئيسة قسم علوم التربة وتقييم موارد الأراضي في أكاديمية علم الأحياء والطب بجامعة الجنوب الفيدرالية:

«"خلصنا من خلال عملنا إلى أن أعلى مستويات التلوث تسجل باستمرار في المناطق الحضرية، حيث تكون كثافة السكان والنشاط الصناعي في أعلى مستوياتها."»

وتشير هذه النتيجة إلى وجود علاقة واضحة بين ارتفاع مستويات التلوث في الرواسب وبين التوسع الحضري والنشاط الصناعي الكثيف.

اختلاف المعايير بين الدول

إلى جانب رسم الصورة العالمية لمستويات التلوث، جمع الباحثون وقارنوا طرق تقييم رواسب المسطحات المائية والمعايير البيئية المعتمدة في دول مختلفة، من الولايات المتحدة وكندا إلى دول أوروبا وأستراليا.

وأظهرت المقارنة عدم وجود منهج موحد عالميا لمراقبة الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات.

ففي بعض الدول تتركز المراقبة على مادة بنزو بيرين، بينما تعتمد دول أخرى على قياس مجموع 16 مركبا من هذه المواد.

ويجعل هذا الاختلاف مقارنة البيانات البيئية بين دول العالم أكثر صعوبة.

تغير المناخ قد يعيد إطلاق الملوثات القديمة

تشير الدراسة أيضا إلى تأثير تغير المناخ في هذه المشكلة.

فمع ذوبان التربة الصقيعية الدائمة، يمكن أن تتحرر مخزونات قديمة من المواد العضوية التي ظلت محفوظة لسنوات طويلة، ومن بينها الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات.

ويمكن لهذه المركبات أن تعود إلى الأنهار والبحيرات، حتى في المناطق التي لا تشهد نشاطا صناعيا كبيرا.

وهذا يعني أن بعض مصادر التلوث قد تكون مرتبطة بملوثات تراكمت في البيئة خلال فترات سابقة، وليس فقط بالأنشطة البشرية الحالية.

ثغرة في مراقبة التلوث داخل روسيا

يرى الباحثون أن أهم نتائج الدراسة تتعلق بوضع مراقبة التلوث في روسيا.

فعلى الرغم من وجود أنظمة لمراقبة جودة المياه والهواء، فإن مستويات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات في رواسب قاع الأنهار والبحيرات لا تخضع لمراقبة منهجية منتظمة.

وبسبب ذلك، يمكن أن تبقى المخزونات المتراكمة من هذه المواد السامة في قيعان الأنهار والبحيرات خارج نطاق المراقبة البيئية لفترات طويلة.

أساس لتطوير معايير بيئية جديدة

يمنح هذا العمل أهمية خاصة لنتائجه، إذ يمكن الاستفادة منها في تطوير أنظمة الرقابة البيئية.

ويتيح تحليل الأساليب والمعايير المستخدمة في مختلف أنحاء العالم أساسا جاهزا لتطوير معايير علمية تستند إلى الأدلة في روسيا، بما يساعد على تقييم تأثير الأنشطة البشرية بصورة أكثر دقة والاستجابة في الوقت المناسب للمخاطر التي تهدد المسطحات المائية.

نشر النتائج في مجلات علمية دولية

أجريت الأبحاث العلمية المتعلقة بهذا الموضوع في إطار تنفيذ المشروع التكنولوجي الاستراتيجي "تقنيات الهندسة الحيوية للتربة" ضمن برنامج "الأولوية-2030" في جامعة الجنوب الفيدرالية.

وقد نشرت نتائج هذه الأبحاث في عدد من المجلات العلمية الدولية الرائدة المصنفة ضمن الربع الأول Q1، من بينها Marine Pollution Bulletin وRegional Studies in Marine Science وEnvironmental Geochemistry and Health، إضافة إلى عدد آخر من الدوريات العلمية ذات التصنيف المرتفع.