توصل علماء من جامعة الشرق الأقصى الفيدرالية الروسية (ДВФУ) إلى أن الخلايا الجذعية لورم الأرومة الدبقية ، المعروف أيضا باسم الغليوبلاستوما، يمكنها الاحتفاظ بما يشبه «ذاكرة» للعلاجات التي تعرضت لها، بطريقة تشبه قدرة الخلايا التائية المناعية على تذكر مسببات الأمراض.
وبناء على هذا التشابه، اقترح الباحثون استراتيجية علاجية من ثلاث مراحل تهدف إلى تعطيل هذه «الذاكرة» ومساعدة الجهاز المناعي على مواجهة الخلايا السرطانية التي تبقى بعد العلاج.
ونشر الاستعراض العلمي الذي أعده علماء كلية الطب وعلوم الحياة في جامعة الشرق الأقصى الفيدرالية في مجلة Frontiers in Immunology.
ويقدم الباحثون في الدراسة نهجا جديدا للتعامل مع الغليوبلاستوما، وهو أحد أكثر أنواع سرطان الدماغ عدوانية، كما أنه يستجيب بدرجة محدودة للعلاجات التقليدية، بحسب المكتب الصحفي للجامعة.
الخلايا الجذعية وراء فشل العلاج
يرى الباحثون أن السبب الرئيسي وراء فشل علاج الغليوبلاستوما وعودة الورم بعد فترة يتمثل في الخلايا الجذعية السرطانية للورم (ОСК).
فالعلاجات المستخدمة حاليا، بما فيها الجراحة والعلاج الإشعاعي والعلاج الكيميائي باستخدام تيموزولوميد، لا تقضي على هذه الخلايا بصورة كاملة.
وتتميز الخلايا الجذعية السرطانية بقدرتها على إصلاح الحمض النووي المتضرر وإنتاج خلايا جديدة مشابهة لها، ما يساعدها على البقاء حتى بعد تعرض الورم للعلاج.
ويصف مؤلفو الدراسة هذه الخاصية بمفهوم «ذاكرة الورم»، وهي قدرة مثبتة على المستوى اللاجيني تسمح للخلايا السرطانية بتراكم صفات تكيفية تحت ضغط العلاج، ثم نقل هذه الصفات إلى الخلايا الناتجة عنها.
وبهذه الطريقة، يمكن للخلايا التي بقيت على قيد الحياة أن تساعد الورم على مقاومة العلاج عند حدوث الانتكاس.
تشابه بين الورم وذاكرة الجهاز المناعي
لاحظ الباحثون وجود تشابه مهم بين الخلايا الجذعية للغليوبلاستوما وبين الخلايا التائية الجذعية ذات الذاكرة المناعية.
ويستخدم كلا النوعين آليات متشابهة للبقاء وإعادة بناء نفسه.
وقال إيغور بريوخوفيتسكي، المشرف العلمي على المركز الطبي في جامعة الشرق الأقصى الفيدرالية والحاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الطبية:
«إذا كان الجهاز المناعي يتذكر مسببات الأمراض، فإن الورم يتذكر العلاج، ويستخدم الأدوات نفسها للبقاء. إن فهم هذا التشابه يفتح الطريق أمام استراتيجيات علاجية جديدة».
استراتيجية علاجية من ثلاث مراحل
اعتمد العلماء على هذا التشابه لاقتراح استراتيجية علاجية تتكون من ثلاث مراحل رئيسية.
1. استئصال المنطقة الغازية من الورم
تبدأ الاستراتيجية بإجراء جراحي لاستئصال الحافة الغازية للورم، وهي المنطقة الانتقالية الواقعة بين النسيج السرطاني ونسيج الدماغ السليم.
ويرى الباحثون أن هذه المنطقة مهمة لأنها تحتوي على خلايا لمفاوية يمكن أن تبقى بداخلها بفضل ارتفاع مستوى الأكسجين نسبيا وانخفاض درجة التثبيط المناعي مقارنة بمناطق أخرى من الورم.
ويتم في هذه المرحلة الحصول على هذه الخلايا لاستخدامها في الخطوات اللاحقة من الاستراتيجية العلاجية المقترحة.
مواجهة الخلايا الجذعية لورم الأرومة الدبقية ( مصدر الصور: Wikimedia )
2. تنشيط البيئة المحيطة بالورم
بعد الحصول على الخلايا اللمفاوية، يقترح الباحثون العمل على تنشيط البيئة الدقيقة المحيطة بالورم باستخدام اللقاحات وبعض الأدوية.
والهدف من هذه الخطوة هو تحفيز الاستجابة المناعية داخل المنطقة التي يوجد فيها الورم، بما يجعل البيئة المحيطة به أكثر استعدادا لمهاجمة الخلايا السرطانية.
3. إعادة الخلايا اللمفاوية إلى المريض
في المرحلة الأخيرة، يتم إعطاء المريض الخلايا اللمفاوية التي جرى تكثيرها في المختبر.
ويفترض الباحثون أن هذه الخلايا يمكنها مهاجمة الخلايا الجذعية السرطانية للغليوبلاستوما، والعمل على تعطيل ما يصفه الباحثون بـ«الذاكرة التكيفية» التي تراكمت لديها نتيجة التعرض للعلاجات السابقة.
وبحسب التصور المقترح، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تقليل قدرة الخلايا السرطانية على النجاة وإعادة تكوين الورم بعد العلاج.
الخلايا الجذعية قد تساعد في توصيل العلاج
يشير الباحثون أيضا إلى إمكانية الاستفادة من الخلايا الجذعية المكونة للدم، وهي خلايا تتميز بقدرتها على الانتقال ذاتيا نحو بؤرة الغليوبلاستوما.
ويمكن، وفقا للدراسة، استخدام هذه الخلايا كوسيلة لنقل الخلايا اللمفاوية مباشرة إلى موقع الورم في الدماغ.
وقد يوفر هذا النهج وسيلة أكثر استهدافا لإيصال الخلايا المناعية إلى البيئة التي توجد فيها الخلايا الجذعية السرطانية، بهدف تعزيز تأثيرها المضاد للورم.
ما أهمية الفكرة العلاجية؟
تستند الفكرة الأساسية للدراسة إلى التعامل مع مقاومة الغليوبلاستوما للعلاج من زاوية مختلفة.
فبدلا من التركيز فقط على تدمير الخلايا السرطانية، يقترح الباحثون استهداف قدرتها على التكيف مع العلاج وتذكره، ثم استخدام الجهاز المناعي لمواجهة الخلايا التي اكتسبت هذه القدرة.
ويؤكد النص أن ما قدمه الباحثون هو استراتيجية علاجية مقترحة تستند إلى مراجعة علمية، وليس إعلانا عن علاج مثبت وفعال للغليوبلاستوما لدى المرضى حتى الآن.