أظهرت نماذج مناخية أجراها علماء مناخ من معهد غودارد لدراسات الفضاء التابع لوكالة ناسا أن كوكب الزهرة في مراحله المبكرة ربما امتلك محيطات من المياه السائلة، وأن الكوكب كان قادرا على الحفاظ على مناخ معتدل ومناسب للحياة لمدة تقترب من 3 مليارات سنة.
واعتمد الباحثون على نموذج ثلاثي الأبعاد لدوران الغلاف الجوي والمحيطات يعرف باسم ROCKE-3D، وأجروا من خلاله 45 تجربة لمحاكاة الظروف المناخية التي ربما سادت على سطح الزهرة في الماضي.
المياه على كوكب الزهرة ( مصدر الصورة: Unsplash )
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة JGR: Planets.
حرارة معتدلة رغم قربه من الشمس
وفقا للحسابات التي أجراها الباحثون، فإن وجود مياه سائلة على سطح الزهرة كان يمكن أن يحافظ على متوسط درجة حرارة عالمية يتراوح بين 20 و50 درجة مئوية.
ويرتبط هذا الاستقرار المناخي، بحسب النموذج، بالدوران البطيء جدا لكوكب الزهرة.
فاليوم الشمسي على الزهرة، أي المدة التي تستغرقها الشمس للعودة إلى الموضع نفسه في سماء الكوكب، يبلغ نحو 117 يوما أرضيا.
وكان دوران الزهرة البطيء يعني أن الجانب المواجه للشمس يتعرض للتسخين لفترة طويلة، ما يؤدي إلى تكوين طبقة كثيفة وقوية من السحب.
وكانت هذه السحب تعمل كدرع يعكس جزءا كبيرا من الإشعاع الشمسي الزائد إلى الفضاء، ما يساعد على الحد من ارتفاع درجة حرارة سطح الكوكب.
متى فقد الزهرة مياهه؟
يفترض الباحثون أن هذه المرحلة المناخية المعتدلة انتهت قبل نحو 700 مليون سنة.
وقد تكون سلسلة من الانفجارات البركانية واسعة النطاق قد أدت إلى إطلاق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للزهرة.
وأدى تراكم غاز ثاني أكسيد الكربون، وفقا لهذا السيناريو، إلى إطلاق تأثير احتباس حراري متسارع وخارج عن السيطرة، تسبب في ارتفاع درجات الحرارة وتغير الظروف المناخية على الكوكب بصورة جذرية.
ومع ارتفاع الحرارة، تبخرت المياه الموجودة على سطح الزهرة. وبعد ذلك، أدى تأثير الأشعة فوق البنفسجية إلى تفكيك جزيئات الماء إلى الهيدروجين والأكسجين.
وبسبب خفة الهيدروجين، تمكن هذا الغاز من الهروب تدريجيا من الغلاف الجوي إلى الفضاء، ما ساهم في فقدان الزهرة لمياهه.
هل كان الزهرة صالحا للحياة؟
قال مايكل واي، المشارك في إعداد الدراسة، إن النموذج يجيب عن سؤال مهم يتعلق بإمكانية بقاء مناخ معتدل على كوكب يمتلك محيطات رغم تعرضه لإشعاع شمسي قوي.
وتشير نتائج النموذج إلى أن قرب الزهرة من الشمس لا يعني بالضرورة أنه كان دائما عالما شديد الحرارة وغير مناسب للحياة.
وإذا كانت المياه السائلة قد بقيت موجودة على سطحه لفترة طويلة، فمن المحتمل أن الظروف المناخية القديمة كانت مختلفة بشكل كبير عن البيئة القاسية التي نعرفها على الزهرة اليوم.
ومع ذلك، فإن هذه الفرضية لا تحظى بإجماع علمي.
دراسات تشكك في الفرضية
تشكك مجموعات علمية أخرى في الاستنتاجات التي توصل إليها نموذج ناسا.
وأظهرت دراسة نشرت عام 2021 في مجلة Nature أن السيناريو الذي تكون فيه الزهرة الفتية مغطاة ببخار شديد الحرارة قد يجعل تكثف المياه وتحولها إلى أمطار أمرا غير ممكن.
وبحسب هذه الدراسة، كان من الممكن أن تؤدي السحب الموجودة في الجانب الليلي من الكوكب إلى حبس الحرارة، ما يمنع بخار الماء من التبرد والتكثف بالشكل اللازم لتكوين محيطات.
كما يشير تحليل كيمياء الغلاف الجوي للزهرة نشر عام 2025 إلى وجود جفاف غير معتاد في منطقة الصهارة الزهرية.
ويرى الباحثون أن هذه الدرجة من الجفاف لا تنسجم بسهولة مع فرضية أن الكوكب امتلك في الماضي مسطحات مائية عميقة.
مهمة ناسا قد تحسم الجدل
قد تساعد مهمة DAVINCI التابعة لوكالة ناسا على توضيح التاريخ المائي والمناخي للزهرة.
ومن المقرر أن يهبط المسبار عبر الغلاف السحابي الكثيف للكوكب، مع إجراء قياسات دقيقة للتركيب الكيميائي والنظائري لغلافه الجوي.
ويمكن أن تساعد دراسة نسب النظائر والبحث عن مؤشرات مرتبطة بالمياه القديمة العلماء على معرفة ما إذا كان الزهرة قد امتلك بالفعل كميات كبيرة من المياه السائلة في الماضي.
وبذلك قد تقدم المهمة أدلة مهمة لحسم الخلاف العلمي حول السؤال: هل كان الزهرة في الماضي عالما مائيا معتدلا، أم أن سطحه لم يشهد أبدا محيطات عميقة؟