نجح باحثون من جامعة إسكي شهير التقنية في تركيا بالتعاون مع زملائهم في تنظيم مجموعة من الأساليب التي يمكن استخدامها لتحويل خميرة الخبز العادية إلى مصانع حيوية عالية الكفاءة لإنتاج الليكوبين، وهو أحد مضادات الأكسدة القوية التي ترتبط بفوائد صحية متعددة.
ونشرت الدراسة الاستعراضية التي تستعرض هذه الاستراتيجية المبتكرة في مجلة Frontiers in Bioengineering and Biotechnology.
وتعتمد الطريقة على استراتيجية أطلق عليها الباحثون اسم «ادفع واسحب واحجب» (Push-Pull-Block)، وتهدف إلى إعادة توجيه عمليات الأيض داخل خلايا الخميرة حتى تنتج كميات كبيرة من الليكوبين بدلا من استهلاك مواردها في عمليات النمو المعتادة.
ما هو الليكوبين؟
الخميرة تتحول إلى مصنع حيوي ( مصدر الصور: Freepik )
الليكوبين هو الصبغة التي تمنح الطماطم لونها الأحمر، كما يعمل كمضاد قوي للأكسدة.
وتساعد مضادات الأكسدة على حماية الخلايا من الأضرار المرتبطة بالجزيئات غير المستقرة، ولذلك يحظى الليكوبين باهتمام كبير في الأبحاث المتعلقة بالصحة والتغذية والشيخوخة.
لكن إنتاج الليكوبين بكميات كبيرة للاستخدام الصناعي يمثل تحديا.
فالاعتماد على التصنيع الكيميائي يمكن أن يؤدي إلى إنتاج مخلفات سامة، كما قد ينتج خليطا أقل جودة من المواد.
أما استخراج الليكوبين من الخضروات، فيتأثر بالإنتاج الزراعي والمحصول والموسم، ما يجعل توفير المادة الخام بصورة مستقرة أمرا أكثر صعوبة.
لماذا استخدم العلماء الخميرة؟
اختار الباحثون خميرة الخبز باعتبارها كائنا دقيقا أثبتت سلامته للاستخدام البشري، كما تمتلك مسارات أيضية يمكن تعديلها لإنتاج مركبات مفيدة.
وكان الهدف هو إعادة توجيه موارد الخلية بحيث تنتج الليكوبين بدلا من استهلاك المواد والطاقة في إنتاج مركباتها المعتادة والنمو.
ولتحقيق ذلك، استخدم الباحثون استراتيجية «ادفع واسحب واحجب» المكونة من ثلاث مراحل رئيسية.
استراتيجية «ادفع واسحب واحجب»
تعتمد مرحلة «ادفع» على تزويد الخلية بكميات أكبر من المواد الخام والطاقة اللازمة لإنتاج الليكوبين.
أما مرحلة «اسحب» فتقوم على تعزيز نشاط الإنزيمات الموجودة داخل الخلية، بحيث تصبح أكثر قدرة على دفع المسار الأيضي نحو إنتاج المركب المطلوب.
وفي مرحلة «احجب»، يعمل الباحثون على تعطيل جينات معينة تجعل الخميرة تستهلك مواردها في عمليات النمو الخاصة بها.
وبهذه الطريقة، يمكن توجيه جزء أكبر من موارد الخلية نحو إنتاج الليكوبين بدلا من استخدامها في وظائف أخرى.
تركيز قياسي من الليكوبين
أدى تطبيق هذه الاستراتيجية إلى تحقيق تركيز وصفه الباحثون بأنه قياسي بالنسبة إلى هذه الأساليب، حيث تجاوز إنتاج الليكوبين 8 غرامات لكل لتر من الوسط الغذائي.
وتشير هذه النتيجة إلى إمكانية استخدام الخميرة كمنصة حيوية لإنتاج الليكوبين بكفاءة أعلى، بدلا من الاعتماد الكامل على استخراجه من النباتات أو تصنيعه بالطرق الكيميائية.
إمكانات تجارية كبيرة
يرى الباحثون أن هذه التقنية تمتلك إمكانات تجارية كبيرة، خاصة مع ارتفاع تكلفة إنتاج الليكوبين بالطرق التقليدية.
وتحتاج دول مختلفة، بما فيها روسيا، إلى إنفاق مبالغ كبيرة على زراعة الطماطم داخل البيوت المحمية لتوفير كميات كافية من المحصول المستخدم في الصناعات الغذائية.
كما أن كبسولات الليكوبين المنتجة بالطرق التقليدية والمتوفرة في الصيدليات غالبا ما تكون مستوردة من الخارج، وتباع بأسعار مرتفعة.
ومن شأن إنتاج الليكوبين عن طريق تخمير الخميرة أن يوفر بديلا أكثر استقرارا للإنتاج، بعيدا عن التقلبات المرتبطة بالمحاصيل الزراعية والمواسم.
إنتاج مكملات غذائية بتكلفة أقل
يعتقد الباحثون أن الانتقال إلى إنتاج مضادات الأكسدة باستخدام الخميرة عبر عمليات التخمير يمكن أن يساهم في خفض تكلفة المكملات الغذائية المنتجة محليا.
كما قد يساعد هذا النهج على تقليل الاعتماد على الإمدادات القادمة من الخارج، إلى جانب التخلص من الحاجة إلى بعض المواد الكيميائية الضارة المستخدمة في عمليات الإنتاج التقليدية.
ولا يعني تحقيق نتائج واعدة في المختبر أن التقنية أصبحت جاهزة للاستخدام الصناعي على نطاق واسع، إذ تحتاج عمليات الإنتاج الحيوي إلى مزيد من التطوير والتقييم قبل اعتمادها تجاريا.