اكتشاف شكل جديد من الجليد يتشكل عند أكثر من 2000 درجة مئوية

اكتشاف جديد يكشف أسرار أعماق أورانوس ونبتون ( مصدر الصورة: ScienceAlert ) اكتشاف جديد يكشف أسرار أعماق أورانوس ونبتون ( مصدر الصورة: ScienceAlert )

الماء من أكثر المواد شيوعا وأهمية في عالم الإنسان.

فنحن لا نستطيع عمليا الاستمرار في الحياة من دون خصائصه باعتباره مذِيبا شبه عالمي. فهو يسقط من السماء، ونستحم به ونشربه ونستخدمه للترفيه.

لكن عند النظر إلى الماء في حالته السائلة فقط، نجد أنه مادة شديدة الغرابة، إذ يتصرف بطرق تتعارض تماما مع سلوك السوائل الأخرى. فعندما يتجمد يصبح أقل كثافة، كما أن توتره السطحي مرتفع بشكل غير معتاد، وكذلك درجة غليانه. وبالنظر إلى كتلته الجزيئية، كان من المفترض أن يكون الماء غازا في درجة حرارة الغرفة.

وكل ذلك يحدث في الظروف الطبيعية المعتادة على سطح الأرض.

لكن عند تغيير الضغط ودرجة الحرارة بدرجات معينة، يصبح سلوك الماء الغريب أكثر إثارة.

وقد تمكن العلماء الآن من إثبات وجود أحد أغرب  أشكال الجليد حتى الآن، في ظروف تصل فيها الضغوط إلى 2.3 مليون ضغط جوي، بينما ترتفع درجات الحرارة إلى 2630 كلفن، أي نحو 2357 درجة مئوية أو 4274 درجة فهرنهايت.

جليد في درجات حرارة هائلة

الماء مادة شديدة الغرابة ( مصدر الصورة: ScienceAlert )

في درجات الحرارة هذه، نتوقع عادة أن يكون الماء غازا بشكل واضح، بل إن جزيئاته قد تتفكك جزئيا إلى ذرات الأكسجين والهيدروجين المكونة له.

لكن شيئا مثيرا للاهتمام يحدث عند الضغوط الفلكية الموجودة في أعماق الكواكب.

عندما يتحول الماء من سائل إلى غاز أو بخار، فإنه يتمدد. وتحت ضغوط ساحقة تصل إلى ملايين الضغوط الجوية، يصبح هذا التمدد مقيدا. وبدلا من ذلك، يستطيع الماء البقاء بكثافة هائلة، ويتخذ أشكالا غريبة تختلف عن أي نوع من الجليد الذي نراه على سطح الأرض.

ومن بين هذه الأشكال الجليد فائق الأيونية، وهو حالة شديدة الغرابة من المادة ليست صلبة بالكامل ولا سائلة بالكامل.

فذرات الأكسجين تبقى ثابتة داخل شبكة بلورية صلبة، كما يحدث في المواد الصلبة، بينما تكون نوى الهيدروجين قادرة على الحركة والانتشار داخل هذه الشبكة بطريقة تشبه حركة الجسيمات في السائل.

وعند مجموعات مختلفة قليلا من الضغط ودرجة الحرارة، يتغير ترتيب ذرات الأكسجين إلى تراكيب مختلفة تعرف باسم الأطوار. وهناك نحو عشرين طورا معروفا من جليد الماء، يتحول عدد قليل منها إلى الحالة فائقة الأيونية في الظروف القصوى. ولا يزال العلماء يبحثون عن المزيد منها.

جليد موجود في أعماق أورانوس ونبتون

ولا يتعلق الأمر بمجرد اكتشاف مادة غريبة من أجل الغرابة.

يعتقد العلماء أن الجليد فائق الأيونية موجود في أعماق أورانوس ونبتون، حيث يمكن أن تؤدي خصائصه غير المعتادة دورا في توليد المجالات المغناطيسية غير المعتادة لهذين الكوكبين.

اكتشاف طور سداسي جديد

في تجاربهم الجديدة، أخضع فريق بقيادة الفيزيائي ألكسيس فوريستييه من المفوضية الفرنسية للطاقة الذرية والطاقات البديلة، عينات صغيرة من الماء لظروف قصوى تشبه تلك المتوقعة في داخل الكواكب العملاقة الجليدية.

وضغط العلماء العينات بين طرفي ماسة إلى ضغوط وصلت إلى 230 غيغاباسكال، مع استخدام أشعة الليزر لتسخينها إلى آلاف الدرجات.

ويعادل ذلك 2.3 مليون مرة الضغط الجوي للأرض عند مستوى سطح البحر. وللمقارنة، يبلغ الضغط في مركز الأرض نحو 360 غيغاباسكال.

بعد ذلك، استخدم العلماء حزمة ضيقة للغاية من الأشعة السينية الصادرة عن مصدر ضوء السنكروترون، لفحص التغيرات التي طرأت على البنية البلورية للجليد.

وكشفت التجربة عن تركيب كان قد تنبأ به العلماء نظريا، لكنه لم يرصد بشكل حاسم في التجارب من قبل، وهو الجليد السداسي المتراص بإحكام، أو ما يعرف اختصارا باسم hcp.

وعندما جرى تسخين بلورة hcp، أظهر تمددها أيضا مؤشرا على السلوك فائق الأيونية، ما يشير إلى أنها دخلت الحالة فائقة الأيونية عند درجة حرارة تبلغ نحو 1700 كلفن.

لماذا يسمى الجليد hcp؟

يشير اسم هذا الطور إلى طريقة ترتيب ذرات الأكسجين.

ويمكن تخيل الأمر كما لو أننا نرتب كرات متطابقة في طبقات. وهناك عدة طرق مختلفة لتكديس هذه الطبقات مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من التقارب بينها.

وكان العلماء قد حددوا سابقا شكلا من الجليد فائق الأيونية يمتلك بنية مكعبة متمركزة الوجوه، أو fcc.

أما في الجليد hcp الذي جرى تحديده حديثا، فتتراص الطبقات وفق تسلسل مختلف.

ووجد الباحثون أدلة تشير إلى أن أحد الشكلين يمكن أن يتحول إلى الآخر عندما تغير الطبقات مواضعها.

ويبدو أن هذا التحول يحدث عندما تصبح الظروف أكثر تطرفا.

الجليد الجديد يظهر تحت ظروف قصوى

عند ضغط يبلغ 155 غيغاباسكال ودرجة حرارة تصل إلى 2000 كلفن، كانت الإشارة التي رصدها جهاز الأشعة السينية مزيجا من بنيتي fcc وhcp.

وعند زيادة الضغط إلى 197 غيغاباسكال ودرجة الحرارة إلى 2250 كلفن، أصبحت الإشارة المميزة للجليد hcp أقوى مقارنة بإشارة fcc.

أما في المجموعة الأخيرة من الظروف، عند ضغط بلغ 219 غيغاباسكال ودرجة حرارة وصلت إلى 2630 كلفن، فقد اختفت إشارة fcc تقريبا، بينما أصبحت بنية hcp هي السائدة بوضوح.

والأكثر إثارة للاهتمام أن هذه ربما لم تكن المرة الأولى التي ينتج فيها الباحثون جليد hcp.

فعند مراجعة بيانات تجربة سابقة، أدركوا أن قمة حيود للأشعة السينية رصدت عند ضغوط تتجاوز 130 غيغاباسكال، ولم يكن قد جرى تحديدها في ذلك الوقت، من المحتمل أن تكون في الواقع بصمة للجليد hcp.

وتشير النتائج إلى أنه عند ضغوط تتجاوز نحو 200 غيغاباسكال، قد يصبح ترتيب hcp أكثر استقرارا من حيث البنية في الجليد فائق الأيونية.

اكتشاف قد يغير فهمنا لأورانوس ونبتون

قد يبدو الأمر كتغير صغير نسبيا، فهو يحدث حرفيا على المقياس الذري، لكن هذا الاختلاف يمكن أن تكون له آثار كبيرة على النظام الشمسي.

فإذا كان الجليد hcp يوصل الكهرباء بطريقة مختلفة عن الجليد fcc، فإن وجوده في أعماق أورانوس ونبتون قد يؤدي إلى تغيير النماذج التي تفسر كيفية انتقال المادة والشحنة الكهربائية داخل هذين الكوكبين.

ويعتقد العلماء أن هذه العمليات مرتبطة بتوليد المجالات المغناطيسية الغريبة والمعقدة وغير المتناظرة لهذين الكوكبين.

ومع ذلك، لا يعرف العلماء حتى الآن الخصائص الفعلية للجليد hcp.

فهذا الشكل من المادة اكتشف حديثا، ولذلك يدعو الباحثون إلى إجراء المزيد من الدراسات النظرية لفهم خصائصه بشكل دقيق، ولا سيما لدونته الميكانيكية وقدرته على التوصيل الكهربائي.

كما ستكون هناك حاجة إلى تجارب إضافية لتحديد الظروف بدقة، من حيث الضغط ودرجة الحرارة، التي يكون فيها جليد hcp مستقرا مقارنة بنظيره fcc.

الماء أكثر غرابة مما نعتقد

الماء مادة غريبة بالفعل، لكن الجليد فائق الأيونية أكثر غرابة بكثير.

ولا يزال العلماء في بداية اكتشاف ما يمكن لهذا الجزيء الغريب أن يفعله تحت الظروف القصوى. وربما يبدو من المناسب أن المادة التي نعتمد عليها للبقاء على قيد الحياة تخفي في داخلها مثل هذه الخصائص غير المألوفة.

وقد نشرت نتائج الدراسة في مجلة Physical Review Letters.