‏لا يوجد جانب مظلم للقمر ... لماذا نرى وجها واحدا فقط منه؟

‏هل يكون الجانب البعيد من القمر مظلما دائما؟ ‏( مصادر الصورة: NASA ) ‏هل يكون الجانب البعيد من القمر مظلما دائما؟ ‏( مصادر الصورة: NASA )

‏ترسخت عبارة « الجانب المظلم من القمر » في الاستخدام اليومي بشكل كبير. فهي عنوان ألبوم شهير لفرقة Pink Floyd، كما تستخدم في الأخبار عند الحديث عن مهمات استكشاف القمر.

‏وتبدو الفكرة بسيطة: هناك جانب نراه من الأرض، وجانب آخر يقع دائما في الظلام خلفه.

‏لكن علماء الفلك يصححون هذا المفهوم، لأن لا يوجد جانب مظلم دائما من القمر.

الجانب المظلم من القمر ‏( مصادر الصورة: NASA )

‏من أين جاء هذا الالتباس؟

‏يدور القمر حول محوره وحول الأرض بالسرعة نفسها، أي مرة كل نحو 29.5 يوما أرضيا.

‏ويعرف ذلك في علم الفلك باسم الدوران المتزامن أو القفل المدّي.

‏وبسبب ذلك، يواجه القمر الأرض دائما بالجانب نفسه.

‏ومن الأرض، لا نستطيع رؤية سوى نصف سطح القمر، بينما يبقى النصف الآخر بعيدا عن مجال رؤيتنا.

‏وفي اللغة الإنجليزية، يمكن أن تعني كلمة dark كلا من «مظلم» و«غير معروف». ومن هنا ظهرت عبارة Dark side of the Moon، أي «الجانب المظلم من القمر»، رغم أن المقصود في الأصل كان الجانب غير المرئي.

‏وانتقلت العبارة إلى اللغة الروسية بصيغة «الجانب المظلم من القمر»، ما أدى إلى تغير معناها وارتباطها بفكرة الظلام الدائم.

‏وتوضح وكالة NASA منذ فترة طويلة أن هذه الصياغة غير دقيقة، إذ تؤكد أن القمر لا يمتلك في الواقع «جانبا مظلما». فكما هو الحال مع الأرض، يوجد على القمر نهار وليل.

‏لذلك، الأدق هو الحديث عن الجانب النهاري والجانب الليلي، بينما يسمى الجانب الذي لا نراه من الأرض الجانب البعيد (far side)، وليس الجانب المظلم.

‏ماذا يحدث على الجانب البعيد؟

‏يتلقى الجانب البعيد من القمر كمية من ضوء الشمس مساوية للجانب المواجه للأرض.

‏فأشعة الشمس تصل إلى القمر بأكمله، لكننا نرى فقط الجزء المضيء الذي يكون موجها نحونا.

‏عندما يكون القمر بدرا بالنسبة إلينا، يكون الجانب البعيد منه في الظلام.

‏أما عندما يكون القمر محاقا، فإن الجانب البعيد يكون مضاء بالكامل.

‏وتوضح محاكاة تابعة لـNASA هذه الظاهرة بشكل واضح. فنصف القمر يكون مضاء دائما بواسطة الشمس، ويمر الجانب البعيد بالمراحل القمرية نفسها التي يمر بها الجانب المواجه للأرض، لكن بترتيب معاكس.

‏فعند اكتمال القمر، يكون الجانب المواجه للأرض مضاء بالكامل، بينما يكون الجانب البعيد في الظل الكامل.

‏وعند المحاق، يحدث العكس.

‏نهار وليلة يستمران أسبوعين تقريبا

‏تستغرق اليوم القمري الكامل نحو 29.5 يوما أرضيا.

‏ويستمر النهار على سطح القمر نحو أسبوعين، ثم يأتي الليل لنحو أسبوعين آخرين.

‏وينطبق هذا على جانبي القمر معا.

‏ولهذا السبب، تعمل المركبة الصينية تشانغ آه-4 (Chang'e-4)، التي هبطت على الجانب البعيد من القمر عام 2019، وفقا لهذا الجدول.

‏فهي تستيقظ مع بداية النهار القمري وتدخل في وضع السكون خلال الليل القمري.

‏بماذا يختلف الجانب البعيد؟

‏يكون الجانب البعيد «مظلم» بمعنى واحد فقط، وهو أنه غير مرئي من الأرض.

‏أما من حيث الإضاءة، فهو سطح قمري طبيعي له خصائصه الجيولوجية الخاصة.

‏فعلى الجانب المواجه للأرض توجد مناطق داكنة كبيرة تعرف باسم البحار القمرية، وهي سهول بازلتية تشكلت من تدفقات بركانية قديمة وتصلبت مع مرور الزمن.

‏أما الجانب البعيد، فتوجد فيه هذه البحار القمرية بدرجة أقل بكثير، بينما تنتشر فيه الفوهات والتضاريس الجبلية بشكل أكبر.

‏أول صور للجانب البعيد

‏حصلت البشرية على أول صور للجانب البعيد من القمر بواسطة المحطة السوفيتية لونا-3 عام 1959.

‏ومنذ ذلك الحين، قامت مركبات تابعة لـNASA ووكالات فضاء أخرى بتصوير هذا الجانب ودراسته.

‏وفي عام 2015، التقطت كاميرا DSCOVR صورة للجانب البعيد من القمر وهو مضاء بالكامل، عندما مرت المركبة بين الكاميرا والأرض.

‏وأظهرت الصورة سطحا مضاء بوضوح، وليس منطقة غارقة في الظلام.

‏لماذا تصحيح هذا المفهوم مهم؟

‏تسبب تسمية «الجانب المظلم» التباسا، لأنها توحي بوجود منطقة غامضة ومخفية ومحرومة من الضوء.

‏لكن الحقيقة أن الجانب البعيد هو جزء طبيعي من القمر لا يمكن رؤيته من الأرض.

‏وعندما هبطت المركبة تشانغ آه-4 هناك، كانت تعمل في وضح النهار، تماما كما يحدث مع أي مركبة فضائية أخرى تعمل على سطح القمر.

‏وتساعد دقة المصطلحات على تحسين فهم الظواهر العلمية، وحتى في الحديث اليومي.

‏لذلك، إذا قال أحد إن الجانب البعيد من القمر يكون مظلما دائما، فالإجابة العلمية بسيطة: لا، هناك نهار وليل على الجانب البعيد من القمر أيضا، لكننا لا نستطيع رؤيته من الأرض.