تبدو التربة تحت الغابات وكأنها شبكة متشابكة من الخيوط البيضاء الدقيقة، وهي خيوط فطرية تحيط بجذور الأشجار وتتصل بها. يحصل الفطر من الشجرة على السكريات، ويقدم لها في المقابل الماء والمعادن. وتُعرف هذه العلاقة التكافلية باسم الفطريات الجذرية أو الميكورايزا.
لكن السؤال الذي يشغل العلماء هو: هل تؤدي هذه الشبكة دور قناة تنقل الغذاء بين الأشجار، بحيث تستطيع إحداها مساعدة الأخرى على النمو؟
تشير الأبحاث إلى أن الكربون يمكن أن ينتقل عبر الشبكات الفطرية تحت الأرض، لكن الأدلة لا تؤكد أن الأشجار تتبادل الغذاء باستمرار أو أنها تتعمد إطعام بعضها بعضا، كما توحي بعض الروايات الشائعة عن الغابات.
ما الفطريات الجذرية؟ وكيف ظهرت فكرة «شبكة الغابة»؟
الأشجار والفطريات ( مصدر الصورة: Unsplash )
ترتبط معظم الأشجار في الغابات بعلاقات مع الفطريات التي تنمو خيوطها داخل التربة وحول الجذور. وقد تمتد هذه الخيوط لتصل إلى جذور نباتات مختلفة، ما يتيح نشوء شبكة بيولوجية معقدة تحت سطح الأرض.
وفي عام 1997، نشرت عالمة البيئة الكندية سوزان سيمارد، من جامعة كولومبيا البريطانية، دراسة في مجلة Nature تناولت انتقال الكربون بين أشجار البتولا وتنوب دوغلاس.
وفي التجربة، استخدمت سيمارد نظيرا مشعا للكربون لوسم إحدى أشجار البتولا، ثم رصدت ظهور العلامة في أنسجة أشجار التنوب المجاورة.
وأظهرت النتائج أن أشجار التنوب تلقت، في المتوسط، كمية من الكربون-14 تزيد بنحو 50% على الكمية التي أعادتها، كما تلقت كمية من الكربون-13 تزيد بنحو 66% على ما نقلته في الاتجاه المعاكس.
وساهمت هذه النتائج في انتشار مفهوم «الشبكة العنكبوتية للغابة»، المعروف باسم Wood Wide Web، وهو تصور يشير إلى شبكة تحت الأرض يمكن أن تنتقل عبرها الموارد بين النباتات بواسطة الفطريات.
لكن اكتشاف انتقال الكربون لا يعني بالضرورة أن الشجرة المستقبلة حصلت على كمية مفيدة من الغذاء، أو أن الشجرة المانحة قدمته إليها عن قصد.
كيف يمكن أن ينتقل الكربون بين الأشجار؟
تعمل الخيوط الفطرية، المعروفة باسم الهيفات، على امتصاص المركبات الكربونية من جذور النباتات المرتبطة بها، ويمكن لهذه المركبات أن تنتقل عبر الشبكة الفطرية.
ويستخدم الباحثون النظائر الكربونية لتتبع مسار هذه المواد. فعندما يوسمون شجرة بنظير معين، ثم يعثرون على العلامة في كائن أو نسيج آخر، يستطيعون الاستدلال على انتقال الكربون.
وفي عام 2016، نشرت مجلة Science دراسة قدرت كمية الكربون التي تنتقل سنويا بين جذور أنواع مختلفة من الأشجار في غابة سويسرية بنحو 280 كيلوغراما لكل هكتار.
وقد يبدو هذا المقدار كبيرا، لكن السؤال الأهم هو: أين ينتهي المطاف بهذا الكربون؟ هل يدخل أنسجة الشجرة الأخرى، أم يبقى داخل الفطريات التي تنقله؟
فوجود الكربون في الشبكة الفطرية لا يثبت وحده أن الشجرة المستقبلة حصلت عليه واستخدمته في نموها.
تجربة حديثة تشكك في فكرة إطعام الأشجار بعضها بعضا
في عام 2024، أجرى باحثون من جامعة غوتينغن تجربة على أشجار الزان الأوروبي وتنوب دوغلاس، واستخدموا الكربون-13 لتتبع انتقاله من شجرة الزان إلى مكونات الشبكة الموجودة حول جذور التنوب.
وكانت النتيجة لافتة: عثر الباحثون على الكربون في الأنسجة الفطرية الموجودة على جذور التنوب، لكنهم لم يعثروا عليه في أنسجة الشجرة نفسها.
وبمعنى آخر، بدا أن الفطر حصل على السكريات من شجرة الزان، ثم نقل الكربون إلى أجزاء فطرية مجاورة، من دون أن تصل كمية قابلة للكشف منه إلى أنسجة شجرة التنوب.
وخلص الباحثون إلى أن انتقال الكربون في هذه الحالة حدث بين الفطريات، وليس مباشرة بين الأشجار كما قد توحي الفكرة الشائعة عن الشبكة الفطرية.
وتوضح هذه النتيجة أهمية التمييز بين انتقال المواد داخل شبكة الفطريات ووصولها فعليا إلى النبات الذي يُفترض أنه المستفيد منها.
هل تحصل الأشجار الصغيرة على الغذاء من الأشجار الكبيرة؟
توجد أدلة تشير إلى أن بعض النباتات الصغيرة قد تحصل بالفعل على كربون إضافي عبر الشبكات الفطرية، خصوصا في البيئات التي تعاني فيها من نقص الضوء.
وفي عام 2025، درس باحثون من جامعة بايرويت التركيب النظائري للكربون لدى 41 نوعا من النباتات التي تنمو في الطبقة السفلى من غابة استوائية في بنما.
وتعيش النباتات الصغيرة في هذه البيئة تحت ظلال كثيفة، ما يحد من قدرتها على إجراء عملية البناء الضوئي وإنتاج السكريات.
وأظهر التحليل أن بعض هذه النباتات تحصل على كربون إضافي عبر الشبكات الفطرية. ويرجح الباحثون أن الأشجار البالغة القريبة قد تكون أحد مصادر هذا الكربون.
وتُعد هذه الدراسة دليلا على إمكانية انتقال الكربون إلى النباتات الصغيرة في الظروف الطبيعية، وليس في التجارب المخبرية فقط.
ومع ذلك، لا تكفي هذه النتائج وحدها لإثبات أن الأشجار الكبيرة تتعمد إطعام النباتات الصغيرة، أو أن هذا الانتقال يحدث في جميع الغابات.
لماذا يختلف العلماء حول دور الشبكات الفطرية؟
في عام 2023، نشر فريق من الباحثين بقيادة جاستن كارست من جامعة ألبرتا مراجعة علمية شملت 26 دراسة تناولت تأثير الشبكات الفطرية في نمو الأشجار الصغيرة.
ولم يجد الباحثون أدلة على وجود تأثير إيجابي في نمو النباتات الصغيرة إلا في ثماني دراسات من أصل 26.
وخلص الفريق إلى أن الادعاءات الشائعة عن تعمد الأشجار إطعام بعضها بعضا تتجاوز ما تسمح به الأدلة العلمية المتاحة.
وتكمن إحدى المشكلات في الطريقة التي تُوصف بها هذه الظاهرة. فعندما يقال إن شجرة «تطعم» شجرة أخرى، قد يفهم القارئ أن الشجرة المانحة تتصرف بقصد مساعدة المستفيدة.
لكن الفطريات تعمل وفقا لعملياتها الحيوية الخاصة، وقد تنقل الكربون نتيجة طريقة نموها واستقلابها وتوزيع مواردها، من دون وجود نية لمساعدة شجرة بعينها.
كذلك، أعاد بحث نُشر عام 2023، بقيادة هنريكسون وزملائه، فحص الأدلة المرتبطة بفرضية «الشجرة الأم»، التي تفترض أن الأشجار البالغة تنقل الموارد بصورة خاصة إلى نسلها.
ولم يجد الباحثون ما يؤكد أن الأشجار الكبيرة توجه الموارد تحديدا إلى النباتات المنحدرة منها.
ولا يزال من غير الواضح أيضا ما إذا كانت كميات الكربون التي تصل إلى جذور النباتات المستفيدة كبيرة بما يكفي لإحداث فرق ملموس في نموها.
ما الذي نعرفه علميا حتى الآن؟
يمكن تلخيص ما توصلت إليه الدراسات في عدة نقاط:
- الأشجار والفطريات ترتبط بشبكات تحت الأرض: تحيط الخيوط الفطرية بجذور النباتات، ويمكن أن تربط بين جذور أشجار مختلفة.
- الكربون يمكن أن ينتقل عبر الشبكات الفطرية: أثبتت تجارب استخدام النظائر الكربونية حدوث هذا الانتقال في ظروف معينة.
- الانتقال لا يعني بالضرورة استفادة الشجرة: قد يبقى الكربون داخل الأنسجة الفطرية بدلا من الوصول إلى أنسجة النبات الآخر.
- النتائج تختلف باختلاف الظروف: يتأثر انتقال الكربون بأنواع الأشجار والفطريات، وشدة الإضاءة، وعمر النباتات.
- قد تحصل بعض النباتات الصغيرة على كربون إضافي: لكن الأدلة على ذلك في الظروف الطبيعية لا تزال محدودة.
- لا يوجد دليل كاف على التعمد في تقديم الغذاء: لم تثبت الأبحاث أن الأشجار تختار مساعدة أشجار أخرى أو نسلها بصورة مقصودة.
هل تتواصل الأشجار عبر الفطريات؟
تُستخدم أحيانا كلمتا «التغذية» و«التواصل» لوصف ما يحدث داخل الشبكات الفطرية، لكنهما لا تعكسان الظاهرة بدقة كاملة.
فقد تنتقل المواد الكيميائية والإشارات بين النباتات عبر الفطريات، إلا أن ذلك لا يعني أن الأشجار تتواصل بالطريقة التي يتواصل بها البشر، أو أنها تتخذ قرارات واعية بشأن مساعدة جيرانها.
والأدق علميا أن نقول إن الفطريات تنشئ روابط بيولوجية بين جذور النباتات، ويمكنها التأثير في انتقال بعض الموارد بينها، لكن طبيعة هذا الانتقال واتجاهه وأثره في نمو الأشجار ما زالت موضوعا للبحث.
ليست فكرة انتقال الكربون بين النباتات عبر الفطريات مجرد خيال، لكن وصف هذه العملية بأنها إطعام متعمد للأشجار بعضها بعضا لا يزال يتجاوز الأدلة المتاحة. فالشبكة الفطرية نظام بيولوجي معقد، وما زال العلماء يحاولون فهم مقدار الموارد التي تنقلها، والجهات التي تستفيد منها فعليا.