يمكن لاختلاف جيني صغير أن يجعل أحد الحلزونات صورة مرآة لحلزون آخر. وقد حدد باحثون يدرسون حلزونات برية في اليابان جينا يساعد على تحديد ما إذا كانت أصدافها تلتف باتجاه عقارب الساعة أم عكسها، في اكتشاف يقدم أدلة جديدة على كيفية تطور الجانبين الأيمن والأيسر في أجسام الحيوانات.
وأجرى الدراسة باحثون من جامعة نوتنغهام وجامعة توهوكو في اليابان، ودرسوا حلزونات برية من جنس Euhadra لفهم الآليات البيولوجية التي تقف وراء هذه الظاهرة، المعروفة باسم التناظر المرآتي أو التوجه الجانبي (Chirality).
وتشير النتائج إلى أن اختلافات بسيطة في جين مسؤول عن إنتاج بروتين يسمى الميوسين قد تؤدي إلى ظهور حلزونات سليمة ذات مخططات جسمية متعاكسة، بحيث يبدو أحد الشكلين معكوسا بالنسبة إلى الآخر.
وقد يساعد هذا الاكتشاف العلماء أيضا على دراسة لغز بيولوجي أوسع: كيف تنتج الآليات الخلوية الأساسية نفسها ترتيبا ثابتا للجانبين الأيمن والأيسر لدى معظم الحيوانات، بينما تسمح لبعض الأنواع بالتطور في صورتين مرآتيتين متعاكستين؟
كيف يحدد الجين اتجاه التفاف صدفة الحلزون؟
أصداف الحلزونات ( مصدر الصورة: جامعة نوتنغهام )
حددت الدراسة، المنشورة في مجلة Current Biology تحت عنوان «تعدد أشكال قديم في جين الميوسين I a/b يحدد الاختلاف في اتجاه الالتفاف لدى حلزونات Euhadra اليابانية»، أن نسخا جينية مختلفة موجودة بصورة طبيعية من أحد جينات الميوسين تقف وراء هذا الاختلاف.
وتؤدي بروتينات الميوسين دورا في حركة الخلايا وتغيير أشكالها وتفاعلها مع البنى الداخلية التي تدعمها.
ويعتقد الباحثون أن التغيرات الصغيرة في هذا البروتين تؤثر في الطريقة التي تلتوي بها الخلايا خلال المراحل الأولى من التطور الجنيني. وتحدد هذه الحركة الأولية اتجاه التفاف الصدفة، كما تؤثر في ترتيب الأعضاء الداخلية للحلزون.
وتلتف أصداف معظم الحلزونات نحو اليمين، وهي حالة تعرف باسم الالتفاف اليميني (Dextral)، بينما توصف الحلزونات التي تلتف أصدافها نحو اليسار بأنها يسارية الالتفاف (Sinistral).
وعلى الرغم من أن الشكلين يبدوان كصورتين منعكستين في المرآة، فإن الاختلاف لا يقتصر على مظهر الصدفة؛ إذ يمكن أن تتوزع الأعضاء الداخلية والتراكيب التناسلية أيضا على جهتين متعاكستين من الجسم.
حلزونات سليمة رغم اختلاف اتجاه الالتفاف
وجد الفريق أن كلا الشكلين من حلزونات Euhadra اليابانية يتطور بصورة طبيعية، من دون التشوهات المرتبطة بانعكاس التناظر الجسمي لدى بعض الأنواع الأخرى.
كما تبين أن النسختين الجينيتين المسؤولتين عن الاختلاف قديمتان، ما يشير إلى أن هذه السمة استمرت عبر فترات طويلة من التطور.
وعثر الباحثون أيضا على أدلة تشير إلى أن الانتقاء الطبيعي أثر في الشكل ذي الالتفاف اليساري.
وتكمن أهمية هذه النتائج في أن الاختلاف الجيني لا يؤدي بالضرورة إلى اضطراب في النمو؛ ففي هذه الحلزونات، يمكن أن يظهر ترتيب جسمي معكوس بصورة طبيعية، مع استمرار تطور الحيوان بشكل سليم.
لماذا كان العثور على الشكلين في واد واحد مهما؟
يواجه العلماء تحديا عند دراسة الحلزونات ذات الأشكال المرآتية، إذ قد تواجه صعوبة في التكاثر مع بعضها بعضا. ويمكن أن يؤدي وجود الأعضاء التناسلية على جهتين متعاكستين إلى جعل التزاوج أكثر صعوبة.
لكن الباحثين عثروا على مجموعة من الحلزونات في أعماق واد جبلي في اليابان، حيث تستطيع الحلزونات ذات الالتفاف اليميني واليساري التزاوج وتبادل الجينات.
وأتاح هذا الاكتشاف للفريق فرصة دراسة كيفية استمرار الشكلين داخل المجموعة السكانية نفسها، بدلا من دراسة كل شكل بوصفه مجموعة منفصلة ومعزولة.
كما تختلف النتائج عن الملاحظات السابقة لدى حلزونات المياه العذبة. ففي تلك الحيوانات، يمكن لطفرة في جين آخر أن تؤدي إلى ظهور أفراد ذات أصداف يسارية الالتفاف، لكنها ترتبط أيضا باضطرابات في النمو.
أما لدى حلزونات Euhadra اليابانية، فتنتج الاختلافات في جين الميوسين شكلين متعاكسين من دون ظهور المشكلات النمائية نفسها، بحسب النتائج التي أوردها الباحثون.
ماذا يكشف الاكتشاف عن تطور جسم الإنسان؟
يوفر هذا البحث وسيلة مفيدة لدراسة سؤال قديم في علم الأحياء: كيف تحدد الكائنات الحية الترتيب الثابت للجانب الأيمن والجانب الأيسر من أجسامها؟
فعلى سبيل المثال، يقع القلب لدى معظم البشر في الجانب الأيسر من الجسم، بينما تتخذ الأعضاء الداخلية الأخرى مواقع مميزة.
وقد يحدث انعكاس في ترتيب الأعضاء، لكنه أقل شيوعا بكثير من التنوع الطبيعي الذي يظهر لدى هذه الحلزونات، وترتبط بعض حالات الانعكاس بمضاعفات في النمو.
ومن خلال فهم كيفية إنتاج اختلافات جين الميوسين حلزونات سليمة ذات ترتيب جسمي معكوس، قد يتمكن العلماء من تحديد العمليات الخلوية التي تنظم عدم التناظر الجانبي لدى أنواع مختلفة من الحيوانات.
لكن الاكتشاف لا يعني أن الاختلاف الجيني نفسه هو الذي يحدد مواضع الأعضاء الداخلية لدى البشر، إذ لا تزال هناك حاجة إلى أبحاث إضافية لفهم أوجه التشابه والاختلاف بين الآليات البيولوجية لدى الأنواع المختلفة.
لغز بيولوجي لا يزال بلا إجابة كاملة
يرى الباحثون أن أحد الأسئلة المهمة التي لا تزال بحاجة إلى إجابة هو: كيف تستطيع خلايا تمتلك الخصائص الجزيئية الأساسية نفسها أن تنتج أجساما تتطور في اتجاهين متعاكسين؟
وتوفر حلزونات Euhadra اليابانية فرصة نادرة لدراسة هذه المسألة، لأنها تجمع بين شكلين متعاكسين من ترتيب الجسم، مع استمرار نموهما بصورة طبيعية داخل المجموعة السكانية نفسها.
وقد تساعد دراسة هذا النظام العلماء على فهم أعمق لكيفية نشوء التناظر الجانبي وتطوره، وكيف يمكن لاختلافات جينية محدودة أن تؤدي إلى تغييرات واضحة في بنية الجسم.