اكتشف العلماء جنسا جديدا بالكامل من الديدان التي تعيش في قاع البحر، على أعماق مئات الأمتار قبالة سواحل جزيرة كريسماس وجزر كوكوس (كيلينغ) في المحيط الهندي.
وتُعرف هذه الكائنات باسم « ديدان الإسباغيتي »، لكن شكلها لا يشبه المعكرونة الشهية بقدر ما يذكّر بتشابك غريب من الخيوط المتلوية التي تخرج من جسم لين، بينما يقضي الحيوان حياته داخل أنبوب واق يحتمي به.
ويحمل الجنس الجديد اسم Terebellosuctoria، ويضم ثلاثة أنواع تتميز بوجود وسادات معدلة في الجهة السفلية من الأجزاء الأمامية لأجسامها المقسمة، تشكل تراكيب غريبة تشبه الممصات. ولا توجد تراكيب مماثلة معروفة لدى الأجناس الأخرى من ديدان الإسباغيتي.
ورغم أن فريق العلماء الذي وصف هذا الجنس في دراسة نُشرت في مجلة Records of the Australian Museum توصل إلى بعض المؤشرات التي قد تفسر وظيفة هذه التراكيب، فإن دورها لا يزال غير محسوم.
وقالت عالمة الحيوان البحري إيلينا كوبريانوفا، من المتحف الأسترالي والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن البنية الشبيهة بالممصات هي ما يجعل هذا الجنس الجديد مثيرا للاهتمام وفريدا.
ما ديدان الإسباغيتي؟ وكيف تعيش؟
ديدان الإسباغيتي ( مصدر الصورة: CSIRO )
على الرغم من مظهرها الذي قد يبدو مخيفا عند إخراجها من موطنها، فإن ديدان الإسباغيتي كائنات صغيرة نسبيا وغير مؤذية في العادة. وتنتمي إلى فصيلة Terebellidae، وهي فصيلة ترتبط تصنيفيا بديدان الأرض، لكن تركيب أجسامها أكثر تعقيدا وتنوعا.
تستقر هذه الديدان عادة في قاع البحر، حيث تبني أنبوبا يحمي أجسامها الرخوة. ثم تمد مجساتها الطويلة، التي تشبه خيوط الإسباغيتي، لالتقاط جزيئات الغذاء والمواد العضوية من الرواسب المحيطة.
ولا تعيش جميع هذه الديدان في أعماق المحيطات؛ إذ توجد أنواع عديدة منها في المياه الضحلة أيضا. كما أن معظم الأنواع الأسترالية التي وُصفت حتى الآن تعيش في أعماق يصل إليها قدر أكبر من ضوء الشمس.
لكن معرفة العلماء بالكائنات التي تسكن أعماق البحار لا تزال أقل بكثير من معرفتهم بالكائنات التي تعيش في المياه الضحلة، ما يجعل كل بعثة بحثية إلى هذه البيئات فرصة لاكتشاف أنواع جديدة.
اكتشاف الديدان خلال بعثات بحثية أسترالية
خلال رحلتين بحثيتين في عامي 2021 و2022، استكشف العلماء على متن سفينة الأبحاث الأسترالية «إنفستيغيتر» جبال بحرية تقع حول جزيرة كريسماس وجزر كوكوس (كيلينغ).
وجمعت البعثتان عينات من هذه الأنظمة البيئية العميقة، التي لم تحظ بدراسة كافية حتى الآن. وأسفرت الرحلتان عن العثور على أنواع كثيرة لم تكن معروفة للعلم من قبل؛ وقد وُصف بعضها بالفعل، فيما لا تزال أنواع أخرى تنتظر الدراسة والتوثيق الرسميين.
ومن بين مئات العينات التي جُمعت من قاع البحر، لفت نوعان من الديدان انتباه الباحثين بسبب خصائصهما غير المعتادة.
وجُمعت العينات من جبال بحرية على أعماق تراوحت بين 467 و674 مترا. وعندما أخرج العلماء الديدان من الأنابيب الواقية التي تعيش داخلها، لاحظوا وجود تراكيب شبيهة بالممصات تتكون من وسادات معدلة في الجانب السفلي من الأجزاء الأمامية لأجسامها المقسمة.
تحليل الحمض النووي يكشف جنسا جديدا
أصبح تحليل الحمض النووي خطوة مهمة في وصف الأنواع الجديدة، إذ يساعد العلماء على تحديد العلاقات التطورية بين الكائنات ومقارنة الأنواع التي قد تبدو متشابهة في الشكل.
وعندما حلل الباحثون الحمض النووي للديدان الغريبة التي جمعوها، أشارت النتائج، إلى جانب الاختلافات الواضحة في تركيب أجسامها، إلى اكتشاف أكثر أهمية من مجرد نوعين جديدين: جنس جديد بالكامل.
وأطلق العلماء على الجنس اسم Terebellosuctoria، في إشارة إلى التراكيب الشبيهة بالممصات التي تميزه.
أما النوعان اللذان اكتُشفا في المحيط الهندي فهما:
Terebellosuctoria jimii
Terebellosuctoria keelingensis
لكن الجنس الجديد يضم ثلاثة أنواع، وليس نوعين فقط. فالنوع الثالث كان قد اكتُشف سابقا على بعد آلاف الكيلومترات، في مياه أعمق قبالة سواحل اليابان.
دودة يابانية تساعد على حل اللغز
عُثر على النوع الثالث على عمق يبلغ 843 مترا قبالة اليابان، ووُصف في دراسة نُشرت عام 2025، حيث أُسند بصورة أولية إلى جنس Lanice وأُطلق عليه الاسم Lanice spongicola.
لكن تركيب جسمه غير المعتاد جعل تحديد علاقاته التطورية أمرا صعبا.
وكان الباحثون اليابانيون قد حللوا حمضه النووي أيضا. وأشارت نتائجهم إلى وجود صلة بين هذه الدودة وأفراد جنسي Lanice وLoimia، لكن الأدلة لم تكن كافية لإسنادها بثقة إلى أي منهما.
واقترح الباحثون آنذاك أن العثور على ديدان أخرى تحمل تراكيب شبيهة بالممصات قد يكشف عن سلالة تطورية جديدة بالكامل.
وهذا ما تحقق مع اكتشاف الديدان الأسترالية.
فمن خلال مقارنة الخصائص التشريحية والحمض النووي للعينات الأسترالية بالنوع الياباني، تمكنت كوبريانوفا وزملاؤها من حل اللغز. وأُعيد تصنيف النوع الياباني ضمن الجنس الجديد، ليصبح اسمه العلمي Terebellosuctoria spongicola.
كما سُمّي النوع الأسترالي Terebellosuctoria jimii تكريما لعالم الأحياء البحرية ناوتو جيمي، من جامعة ناغويا اليابانية، وهو المؤلف الأول للدراسة التي وصفت النوع الياباني سابقا.
ما وظيفة الممصات الغريبة؟
لا تزال وظيفة التراكيب الشبيهة بالممصات أحد أهم الأسئلة التي يسعى العلماء إلى الإجابة عنها.
وقد لاحظ الباحثون اليابانيون أن الدودة Terebellosuctoria spongicola استخدمت هذه التراكيب للتشبث بالسطح الداخلي لأنبوبها، الذي كان مثبتا بإسفنج زجاجي يعيش في أعماق البحر.
واقترحوا أن هذه الممصات قد تساعد الدودة على تثبيت نفسها في موطنها، خصوصا في البيئات التي تقل فيها الرواسب السائبة التي يمكن أن تستقر فيها الديدان عادة.
لكن لم يتضح بعد ما إذا كان النوعان المكتشفان قبالة أستراليا يستخدمان الممصات بالطريقة نفسها، أم أن لهذه التراكيب وظائف أخرى.
ويتطلب حسم هذه المسألة ملاحظات ودراسات إضافية على الديدان في بيئتها الطبيعية أو في ظروف تسمح بمراقبة سلوكها بصورة مباشرة.
أعماق البحار لا تزال تخفي أنواعا كثيرة
لم تقتصر نتائج البعثات البحثية على ديدان الإسباغيتي الجديدة. فقد تناولت الدراسة المنشورة في مجلة Records of the Australian Museum وصف سبعة أنواع جديدة من الديدان الحلقية، شملت النوعين الجديدين من ديدان الإسباغيتي وخمسة أنواع أخرى.
ومع ذلك، لا تزال هناك عينات كثيرة تنتظر الدراسة والوصف العلمي، رغم أن جميعها جُمعت من مساحة محدودة نسبيا من أعماق المحيط.
وقالت كوبريانوفا إن البعثة الواحدة قد تجمع مئات العينات أو آلافها، لكن تحديد ماهية هذه الكائنات وتصنيفها بدقة قد يستغرق سنوات.
وأضافت أن العينات تُحفظ ضمن مجموعات البحث في المتاحف، حيث يستطيع علماء التصنيف مواصلة دراستها حتى بعد انتهاء الرحلات البحرية بوقت طويل. وتمثل الأنواع السبعة التي وُصفت في الدراسة خطوة إضافية نحو توثيق هذا التنوع الحيوي المذهل.
ويؤكد الاكتشاف أن أعماق المحيطات لا تزال تضم كائنات غير معروفة، وأن الجمع بين دراسة الشكل التشريحي وتحليل الحمض النووي يمكن أن يكشف عن أجناس وسلالات تطورية لم تكن واضحة من قبل.