يواجه الأشخاص المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) مشكلات تتجاوز صعوبة الانتباه والتركيز والتحكم في الاندفاعات، إذ تعد هذه الحالة اضطرابا خطيرا قد يرتبط بتقصير العمر المتوقع.
وتشير التقديرات إلى أن الاضطراب يصيب نحو 5% من الأطفال و2.5% من البالغين. وتؤثر طريقة عمل الدماغ لدى المصابين به في قدرتهم على إنجاز المهام التي تتطلب التركيز والتخطيط.
وقد تظهر هذه الصعوبات في صور بسيطة، مثل نسيان موعد، أو وضع مفاتيح السيارة في غير مكانها، أو الإفراط في شرب الكحول في ليلة تسبق يوم العمل. وقد تبدو هذه الهفوات غير مؤذية، لكنها يمكن أن تتراكم آثارها على مدى سنوات الحياة.
فقد يؤدي تشتت الانتباه إلى حوادث مرورية، وقد يتسبب تفويت موعد طبي في تأخير تلقي العلاج، كما يمكن أن تجعل النزعة إلى التصرف باندفاع التخلص من العادات الضارة أكثر صعوبة.
وفي الحالات الأكثر خطورة، يواجه المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه خطرا أعلى للوفاة المبكرة.
مراجعة واسعة تكشف ارتفاع مخاطر الوفاة
أدوية اضطراب فرط الحركة ( مصدر الصورة: Wikimedia )
تقدم مراجعة علمية واسعة نشرت في مجلة JAMA Network Open أدلة جديدة قوية على وجود ارتباط بين اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه والوفيات الناجمة عن جميع الأسباب، وكذلك الوفيات المرتبطة بالانتحار والإصابات والأسباب الطبيعية.
وتشير المراجعة أيضا إلى أن الأدوية المستخدمة لعلاج الاضطراب قد ترتبط بانخفاض خطر الوفاة المبكرة لدى المصابين به.
راجع باحثون من مؤسسات مختلفة في المملكة المتحدة 19 دراسة سابقة نشرت بين عامي 2012 و2025. وركزت هذه الدراسات على جوانب بحثية مختلفة، وأجريت على مجموعات سكانية في بلدان عدة حول العالم، شملت الولايات المتحدة وكندا والسويد وتايوان والمملكة المتحدة وفنلندا والدنمارك.
لكن جميع الدراسات تناولت أنماط الوفيات المرتبطة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أو بعلاجه.
وبلغ مجموع المشاركين في هذه الدراسات أكثر من 15.9 مليون شخص، وهو حجم عينة يصعب الوصول إليه في دراسة واحدة. ويمكن أن يساعد جمع نتائج دراسات متعددة على اكتشاف أنماط لا يرجح أن تكون ناجمة عن المصادفة وحدها.
ولهذا تكتسب المراجعات المنهجية والتحليلات التلوية أهمية كبيرة، إذ تتيح للعلماء مقارنة نتائج دراسات مختلفة، وتحديد الاتجاهات العامة والنتائج التي قد تخرج عن النمط السائد.
ارتفاع خطر الوفاة بجميع الأسباب بنسبة 70%
جمع الباحثون بيانات 12 دراسة من الدراسات المشمولة، وحللوها لحساب نسب المخاطر، بالاستناد إلى إحصاءات الوفيات لدى الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وغير المصابين به.
وتؤكد النتائج المخاطر المرتبطة ببقاء الاضطراب من دون تشخيص أو علاج.
فقد كان خطر الوفاة الناجمة عن جميع الأسباب لدى المصابين بالاضطراب أعلى بنسبة 70% مقارنة بالأشخاص الذين لا يعانون منه.
كما كان خطر الوفاة بسبب الانتحار أعلى بنسبة 90% لدى المصابين، في حين ارتفع خطر الوفاة الناجمة عن الإصابات، سواء كانت عرضية أو متعمدة، بنسبة 50%.
وحتى خطر الوفاة لأسباب طبيعية كان أعلى بنسبة 30% لدى المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
وتتفق هذه النتائج عموما مع نتائج مراجعة سابقة، باستثناء ما يتعلق بالوفيات الناجمة عن الأسباب الطبيعية. فلم تجد المراجعة السابقة أدلة على ارتفاع هذا النوع من الوفيات لدى المصابين بالاضطراب.
وقال مؤلفو الدراسة إن هذا الاختلاف قد يعكس إدراج دراسات أحدث نشرت في السنوات الأخيرة، أو اختلاف الدراسات وتقديرات التأثير التي شملتها كل مراجعة.
هل تقلل أدوية اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه خطر الوفاة؟
تتمثل إحدى النتائج الإيجابية في أن الأدوية الموصوفة لعلاج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه ارتبطت بانخفاض خطر الوفاة الناجمة عن جميع الأسباب لدى المصابين به.
ولم تميز الدراسة بين تأثيرات الأدوية المختلفة، لكن الأدوية المنبهة تعد عموما من العلاجات التي توصف للمصابين بهذا الاضطراب.
ومن الأدوية الشائعة الاستخدام ميثيل فينيدات، الذي يظهر في صورة المقال الأصلي.
ومع ذلك، فإن أساليب البحث المستخدمة في هذه الدراسة لا تهدف إلى إثبات علاقة السبب والنتيجة. لذلك، لا يمكن الجزم بأن اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه هو السبب المباشر لمعدلات الوفاة المسجلة، أو أن تناول الأدوية هو الذي أدى إلى انخفاضها.
اختلافات بين الدراسات تحد من تعميم النتائج
لاحظ الباحثون أيضا وجود اختلافات كبيرة بين الدراسات، وقد ترتبط هذه الاختلافات بعوامل متعددة، منها التوزيع بين الذكور والإناث في المجموعات التي شملتها الدراسات، والمواقف الثقافية تجاه الاضطراب، وتوافر الخدمات الصحية في البلدان المختلفة، فضلا عن التغيرات التي طرأت على تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه وطرق التعامل معه خلال العقد الماضي تقريبا.
وأوضح الباحثون أن التقديرات المجمعة ينبغي تفسيرها بوصفها متوسطات للارتباطات المسجلة بين مجموعات سكانية وسياقات بحثية متنوعة، لا باعتبارها نتائج تنطبق بالضرورة على جميع الأشخاص وفي كل الظروف.
أهمية دعم المصابين وإدارة المخاطر الصحية
خلص مؤلفو الدراسة إلى أن الأدلة الحالية تشير إلى وجود عوامل متعددة قد تزيد خطر الوفاة لدى الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
وأكدوا أن هذه النتائج تعزز أهمية توفير الدعم اللازم للمصابين لمساعدتهم على إدارة المخاطر الصحية، إلى جانب الاهتمام بالعوامل البنيوية والاجتماعية التي تسهم بصورة غير متناسبة في تدهور صحتهم.
ونشرت الدراسة في مجلة JAMA Network Open.