‏التنويم المغناطيسي العلاجي يساعد على تخفيف آلام البطن لدى الأطفال

التنويم الإيحائي لعلاج آلام البطن المتكررة لدى الأطفال ‏( مصدر الصورة: Sueda Dilli ) التنويم الإيحائي لعلاج آلام البطن المتكررة لدى الأطفال ‏( مصدر الصورة: Sueda Dilli )

‏قد يساعد التنويم الإيحائي ( المغناطيسي) على تخفيف آلام البطن المتكررة وغيرها من أعراض الجهاز الهضمي لدى الأطفال والمراهقين، وفقا لبحث يجريه علماء في السويد، يهدف إلى تطوير خيارات علاجية يسهل الوصول إليها واستخدامها في المنزل.

‏وتعد آلام البطن والشكاوى الهضمية الأخرى شائعة بين الأطفال والمراهقين. وعندما تتكرر الأعراض لفترات طويلة، فقد تكون مرتبطة بما يعرف باسم اضطرابات التفاعل بين الأمعاء والدماغ، وهي حالات لا تعمل فيها آليات التواصل بين الجهاز الهضمي والدماغ بالطريقة المعتادة.

‏وقد تؤثر هذه الاضطرابات في حركة الأمعاء وفي الطريقة التي يدرك بها الدماغ إشارات الألم القادمة منها.

العلاج بالتنويم المغناطيسي ‏( مصدر الصورة: Sueda Dilli )

‏وقال أولا أولين، الأستاذ المساعد في معهد كارولينسكا والطبيب المتخصص في أمراض الجهاز الهضمي لدى الأطفال في مستشفى ساكسكا للأطفال والشباب في ستوكهولم، إن المرضى قد يعانون أعراضا شديدة رغم أن الفحوص الطبية الأساسية لا تكشف عن مشكلة عضوية تفسرها.

‏كيف تؤثر الأمعاء والدماغ في آلام البطن؟

‏من الأمثلة الشائعة على هذه الاضطرابات متلازمة القولون العصبي، التي قد تسبب الإسهال أو الإمساك أو آلام البطن. ويعاني بعض المرضى أيضا آلاما متكررة في البطن من دون تغيرات واضحة في عادات التبرز.

‏ومن السمات المشتركة لهذه الحالات أن الأعراض قد تتأثر بالتوتر والحالة النفسية.

‏وأوضح أولين أن تدهور الصحة النفسية يعد عامل خطر معروفا وقويا لظهور الأعراض، لكن العلاقة بين الحالة النفسية ومشكلات الجهاز الهضمي تسير في الاتجاهين؛ إذ يمكن أن تؤثر الحالة النفسية في الأعراض الهضمية، كما يمكن للأعراض المستمرة أن تؤثر في الحالة النفسية.

‏ويشير ذلك إلى أن التعامل مع هذه الحالات قد يحتاج إلى أساليب تتجاوز علاج الأعراض الجسدية وحدها، مع مراعاة طبيعة كل حالة واحتياجات الطفل.

‏لماذا قد تساعد العلاجات النفسية؟

‏تبدأ المعالجة عادة بمساعدة المريض على فهم كيفية عمل الأمعاء والأسباب المحتملة لأعراضه. ووفقا لأولين، فإن هذا التفسير وحده قد يساعد كثيرا من المرضى على الشعور بتحسن.

‏ويشبّه أولين الأمعاء بأنبوب عضلي يدفع الطعام إلى الأمام عبر انقباضات متتابعة. ويمكن لبعض الأطعمة أن تزيد إنتاج الغازات، كما قد تصبح حركة الأمعاء غير منسقة في بعض الأحيان، فينتفخ جزء منها، على نحو يشبه الضغط على طرفي بالون طويل.

‏وتتميز جدران الأمعاء بحساسيتها للتمدد، وقد يكون هذا التمدد مؤلما بشدة، لكنه لا يعني بالضرورة وجود ضرر خطير.

‏وبالنسبة إلى المرضى الذين يحتاجون إلى دعم إضافي، أظهرت العلاجات النفسية، مثل العلاج السلوكي المعرفي والتنويم الإيحائي الموجه للأمعاء، نتائج واعدة في تخفيف الأعراض.

‏وقال أولين إن استخدام الأساليب النفسية لعلاج أعراض الجهاز الهضمي قد يبدو غير مألوف، لكنه يستند إلى العلاقة بين الدماغ والأمعاء. فعندما يتعلم الدماغ تقليل تركيزه على بعض الإشارات القادمة من الجهاز الهضمي، قد تصبح الأعراض أقل إزعاجا للمريض.

‏ويساعد العلاج السلوكي المعرفي المرضى على التعرف إلى أنماط التفكير والسلوك المرتبطة بالخوف من الأعراض، مثل تجنب أنشطة معينة أو البحث المستمر عن الشعور بالأمان، ثم العمل تدريجيا على تقليل القلق والانشغال بالأعراض.

‏لكن فترات الانتظار للحصول على هذه العلاجات قد تكون طويلة، ما يبرز الحاجة إلى خيارات علاجية يسهل توفيرها للأطفال والشباب.

‏التنويم الإيحائي قيد الاختبار

‏يبحث فريق سويدي حاليا في إمكانية استخدام التنويم الإيحائي الموجه للأمعاء بوصفه أحد الخيارات العلاجية المتاحة للأطفال والمراهقين.

‏وأوضحت تيا سويني، طبيبة الأطفال والباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه التي تقود المشروع، أن هذا الأسلوب يختلف عن الصور الشائعة للتنويم الإيحائي التي تعرضها البرامج التلفزيونية، حيث يبدو الشخص وكأنه ينفذ أوامر غريبة رغما عنه.

‏وأضافت أن المرضى يظلون مسيطرين على أنفسهم طوال الجلسات، وأن الهدف هو الوصول إلى حالة من الاسترخاء العميق تتيح استكشاف صور ذهنية وأنماط تفكير مختلفة.

‏وخلال العلاج، يستمع المرضى إلى تسجيلات صوتية تتضمن تمارين للاسترخاء وتخيلات موجهة، تهدف إلى مساعدتهم على تطوير طريقة جديدة للتعامل مع الإحساس الصادر عن الأمعاء.

‏كيف تتم التمارين؟

‏تتضمن التسجيلات تمارين تعتمد على تخيل مواقف تساعد الطفل على الشعور بالهدوء والتحكم.

‏ومن الأمثلة التي ذكرتها سويني تخيل الانزلاق عبر ممر مائي طويل ومتعرج، مع القدرة على التحكم في السرعة بحيث تسير الرحلة بسلاسة وراحة.

‏ويتضمن مثال آخر تخيل المعدة على هيئة منطاد هواء ساخن يمكن التحكم في كمية الهواء الموجودة داخله.

‏ويأمل الباحثون أن يتمكن الأطفال، مع تكرار هذه التمارين، من استحضار الشعور بالهدوء وتطبيق أنماط التفكير الجديدة في حياتهم اليومية.

‏وترى سويني أن الإشارات بين الأمعاء والدماغ تنتقل في الاتجاهين، وأن العلاج قد يغير الطريقة التي يؤثر بها الدماغ في الجهاز الهضمي. ووفقا لهذه الفرضية، يمكن أن يؤدي انخفاض مستويات التوتر إلى تحسن الأعراض.

‏لكن الآلية الدقيقة التي قد تفسر هذا التحسن لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث.

‏تحسن لدى 40% من الأطفال في دراسة أولية

‏يُستخدم هذا الأسلوب بالفعل في الممارسة السريرية في هولندا، حيث أظهرت تجارب سابقة نتائج مشجعة، وفقا لسويني.

‏وفي السويد، قيّمت الباحثة وزملاؤها الطريقة في دراسة استطلاعية شملت 32 طفلا ومراهقا يعانون حالات مثل القولون العصبي أو آلام البطن المتكررة.

‏واستمع المشاركون إلى التسجيلات الصوتية في المنزل لمدة تقارب 15 دقيقة يوميا على مدى 12 أسبوعا.

‏وأفاد 40% منهم بتحسن ذي أهمية سريرية في أعراضهم، أي تحسن اعتُبر ملحوظا بما يكفي ليكون ذا قيمة من الناحية العلاجية.

‏ومع ذلك، لم تتضمن الدراسة مجموعة ضابطة للمقارنة، ولذلك ينبغي تفسير النتائج بحذر. فمن دون مجموعة مقارنة، لا يمكن تحديد مقدار التحسن الذي يُعزى إلى التنويم الإيحائي نفسه، أو استبعاد تأثير عوامل أخرى، مثل التغير الطبيعي في الأعراض أو توقعات المشاركين.

‏ورغم هذه المحدودية، يرى الباحثون أن النتائج الأولية مشجعة بما يكفي لمواصلة دراسة الطريقة على نطاق أوسع.

‏دراسة أكبر تقارن التنويم الإيحائي بالعلاج السلوكي المعرفي

‏يجري الفريق حاليا دراسة أكبر ضمن مشروع يحمل اسم PIPPI، يقارن فيها الباحثون بين التنويم الإيحائي والعلاج السلوكي المعرفي.

‏ويشارك في الدراسة 300 طفل ومراهق، ويُوزع المشاركون عشوائيا على العلاجات المختلفة. ويسمح هذا التصميم بمقارنة النتائج بصورة أكثر موثوقية، وتقييم ما إذا كان العلاج بالتنويم الإيحائي فعالا بقدر العلاج السلوكي المعرفي، أو ما إذا كانت بعض الفئات تستفيد أكثر من أحد الأسلوبين.

‏وقالت سويني إن إثبات فعالية التنويم الإيحائي بمستوى كاف قد يجعله خيارا علاجيا يسهل الوصول إليه، ويمكن للأطفال والشباب استخدامه في المنزل بغض النظر عن مكان إقامتهم داخل السويد.

‏هل يصبح التنويم الإيحائي علاجا متاحا في المنزل؟

‏إذا أكدت الدراسة الأكبر النتائج الأولية، فقد يساعد التنويم الإيحائي الموجه للأمعاء في توسيع خيارات علاج آلام البطن المتكررة لدى الأطفال، ولا سيما في المناطق التي يصعب فيها الحصول على العلاج النفسي المتخصص.

‏لكن النتائج الحالية لا تكفي بعد لاعتباره بديلا مثبتا للعلاجات المتاحة، كما أن نسبة التحسن المسجلة في الدراسة الاستطلاعية لا تعني أن جميع الأطفال سيستفيدون منه.

‏وتبقى المقارنة مع العلاج السلوكي المعرفي، إلى جانب إجراء دراسات أكثر شمولا، ضرورية لتحديد مدى فعالية هذا الأسلوب والفئات التي قد تستفيد منه على أفضل وجه.

‏وتسلط الأبحاث الضوء على أهمية فهم العلاقة بين الدماغ والأمعاء عند التعامل مع آلام البطن المزمنة لدى الأطفال، وتفتح المجال أمام اختبار علاجات قد تساعدهم على تخفيف الأعراض وتحسين حياتهم اليومية.