‏اكتشاف آلية تحول الخلايا المناعية من حماية الأورام إلى مهاجمتها بعد العلاج الإشعاعي

آلية جديدة تعزز فاعلية العلاج الإشعاعي والمناعي ضد السرطان ‏( مصدر الصورة: مجلة Cancer Cell ) آلية جديدة تعزز فاعلية العلاج الإشعاعي والمناعي ضد السرطان ‏( مصدر الصورة: مجلة Cancer Cell )

‏حدد باحثون في جامعة شيكاغو آلية يمكن أن تجعل الخلايا المناعية التي يعيد العلاج الإشعاعي برمجتها تهاجم الأورام بدلا من حمايتها.

‏وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة Cancer Cell، أن الإشعاع ينشط بروتينا يسمى TET2 في خلايا مناعية موجودة في نخاع العظم، حيث يزيل علامات كيميائية من الحمض النووي الريبي، ويثبت هذه الخلايا في حالة تؤدي إلى تثبيط الاستجابة المناعية.

‏وعندما منع الباحثون نشاط بروتين TET2، بدأت الخلايا نفسها بمقاومة السرطان، ما ساعد العلاج الإشعاعي والعلاج المناعي على تقليص الأورام والسيطرة على انتشارها إلى أعضاء أخرى.

‏عندما يساعد العلاج الإشعاعي الورم على مقاومة المناعة

العلاج الإشعاعي والمناعي ضد السرطان ‏( مصدر الصورة: مجلة Cancer Cell )

‏يتلقى ما بين 50 و60% من مرضى السرطان العلاج الإشعاعي، الذي يعمل على قتل الخلايا السرطانية من خلال إتلاف الحمض النووي الخاص بها. لكن هذا العلاج قد يؤدي في بعض الحالات أيضا إلى زيادة أعداد الخلايا الكابتة المشتقة من الخلايا النخاعية (MDSCs)، وهي خلايا مناعية ينتجها نخاع العظم وتضعف دفاعات الجسم ضد السرطان.

‏وتنتقل هذه الخلايا إلى الأورام، حيث تعيق عمل الخلايا التائية من نوع CD8⁺، وهي من أهم الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل الخلايا السرطانية.

‏ولدى المرضى، يرتبط ارتفاع أعداد الخلايا الكابتة المشتقة من الخلايا النخاعية بعد العلاج الإشعاعي بقصر مدة البقاء على قيد الحياة وارتفاع خطر انتشار السرطان إلى أعضاء أخرى.

‏ولفهم العوامل التي تقود إلى هذه الاستجابة، حلل الفريق عينات دم جمعت قبل العلاج وبعده من 33 مريضا مصابين بسرطان الرئة ذي الخلايا غير الصغيرة في المرحلة الرابعة.

‏وكان المرضى مشاركين في تجربة سريرية لدى المركز الطبي بجامعة شيكاغو، جمعت بين العلاج الإشعاعي عالي الجرعة والموجه بدقة، ودواءي العلاج المناعي نيفولوماب وإيبيليموماب.

‏ومن بين جميع أنواع الخلايا المناعية، سجلت الخلايا الكابتة المشتقة من الخلايا النخاعية أعلى مستويات من بروتين TET2، وهو إنزيم يزيل مجموعات كيميائية تسمى مجموعات الميثيل من المادة الوراثية. وارتفعت مستويات البروتين أكثر بعد العلاج الإشعاعي، وكان الارتفاع الأوضح لدى المرضى الذين لم يستجب السرطان لديهم للعلاج.

‏وقال رالف فيكسلباوم، الباحث الرئيسي في الدراسة، والأستاذ المتميز في قسم دانيال ك. لودفيغ ورئيس قسم علاج الأورام بالإشعاع وعلم الأورام الخلوي في جامعة شيكاغو: «لاحظنا في تجربتين سريريتين أن المرضى الذين ارتفعت لديهم مستويات TET2 بعد العلاج الإشعاعي كانت نتائجهم أسوأ».

‏وتوافقت هذه الملاحظة مع تقارير سابقة أظهرت استجابة أفضل للعلاج المناعي لدى المرضى الذين يحملون طفرات في بروتين TET2 داخل خلايا الدم، ما يشير إلى أن هذا البروتين قد يشكل عائقا أمام نجاح العلاج.

‏إعادة برمجة الخلايا النخاعية

‏لاختبار هذه الفرضية بصورة مباشرة، درس الباحثون نماذج من الفئران حُذف فيها جين TET2 من الخلايا النخاعية وحدها.

‏وفي نماذج لسرطان القولون وسرطان الجلد الميلانيني وسرطان الرئة، أظهرت هذه الفئران نموا أبطأ للأورام بعد العلاج الإشعاعي، وفترات بقاء أطول، وعددا أقل من النقائل الرئوية، كما كانت أحجامها أصغر مقارنة بالفئران الطبيعية.

‏واكتشف الفريق أن الإشعاع ينشط بروتين p53، المسؤول عن استشعار الأضرار التي تصيب الخلايا، وهو ما يؤدي بدوره إلى تنشيط بروتين TET2.

‏ويحدث ذلك في نخاع العظم خلال يوم واحد من التعرض للإشعاع، أي قبل وصول الخلايا التي أعيدت برمجتها إلى الورم.

‏ويشتهر بروتين TET2 بدوره في إزالة مجموعات الميثيل من الحمض النووي، لكن أبحاثا سابقة أجراها تشوان هي، الأستاذ المتميز في الكيمياء والكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية بجامعة شيكاغو والباحث في معهد هوارد هيوز الطبي، أظهرت أنه يؤثر أيضا في الحمض النووي الريبي.

‏وفي الدراسة الحالية، أزال بروتين TET2 علامة كيميائية تسمى 5-ميثيل سيتوزين (m5C) من جزيئات الحمض النووي الريبي المرتبطة بالكروماتين، وهي جزيئات تتموضع على الحمض النووي شديد التكثف داخل نواة الخلية.

‏وأدى فقدان هذه العلامات إلى زيادة تكثف الكروماتين، وإسكات الجينات المسؤولة عن إنتاج الإنترفيرون من النوع الأول، وهو إشارة تنبه الجهاز المناعي إلى وجود تهديدات، مثل الخلايا السرطانية.

‏وقال تشوان هي: «أظهرت أبحاثنا السابقة أن المسار القائم على ميثلة السيتوزين في الحمض النووي الريبي هو الآلية الرئيسية الكامنة وراء وظيفة TET2 المثبطة للأورام. ومن المشجع أن نرى أن مسار الحمض النووي الريبي نفسه يفسر أيضا تأثير TET2 في تنظيم المناعة. وكان التعاون مع فريق فيكسلباوم تجربة ممتعة».

‏وفي غياب بروتين TET2، ظلت العلامات الكيميائية على الحمض النووي الريبي موجودة، وجذبت بروتينا يسمى MBD6، يساعد على فتح الكروماتين والحفاظ على نشاط مسار الإنترفيرون.

‏وبعد ذلك، تطورت الخلايا النخاعية إلى نوع خلوي لم يوصف سابقا، أطلق عليه الباحثون اسم الخلايا النخاعية المنشطة المشتقة (MDACs).

‏وعلى خلاف الخلايا الكابتة المشتقة من الخلايا النخاعية (MDSCs)، تعرض الخلايا الجديدة أجزاء من بروتينات الورم على الخلايا التائية CD8⁺، وتهيئها لمهاجمة السرطان.

‏وأدى نقل هذه الخلايا المنشطة إلى فئران تحمل أوراما إلى إبطاء نمو الأورام لديها. كما ارتبط وجود بصمة جينية خاصة بهذه الخلايا بتحسن فرص البقاء على قيد الحياة لدى مرضى مصابين بأنواع متعددة من السرطان.

‏استعادة المناعة المضادة للأورام

‏نظرا إلى أن حذف الجينات ليس خيارا علاجيا متاحا للمرضى، اختبر الفريق دواء تجريبيا يمنع نشاط بروتين TET2.

‏ولاحظ الباحثون أن استخدام الدواء أدى إلى إبطاء نمو الأورام، وتقليل عدد النقائل الرئوية وأحجامها عند دمجه مع العلاج الإشعاعي، فضلا عن تحسين الاستجابة للعلاج المناعي.

‏وقال فيكسلباوم: «إذا منعنا نشاط TET2، فإننا نحول هذه الخلايا النخاعية المثبطة للمناعة إلى مجموعة من الخلايا النخاعية المحفزة للمناعة والعارضة للمستضدات، ما يعزز الاستجابة للعلاج المناعي والعلاج الإشعاعي لدى الفئران، ويقلل بصورة ملحوظة من انتشار السرطان إلى أعضاء بعيدة».

‏دلالات علاجية محتملة

‏تشير النتائج إلى أن مقاومة العلاج الإشعاعي ليست حالة ثابتة بالضرورة، بل قد تكون برنامجا بيولوجيا قابلا للعكس، ويمكن تغيير مساره من خلال استهداف الآليات فوق الجينية التي تنظم عمل الخلايا المناعية.

‏كما يمكن أن تصبح جزيئات الحمض النووي الريبي المرتبطة بالكروماتين، والمسؤولة عن التحكم في هذا التحول، أهدافا محتملة لأدوية مستقبلية.

‏ويعمل الفريق حاليا على دراسة كيفية اختبار مثبطات بروتين TET2 بالاشتراك مع العلاج الإشعاعي لدى المرضى.

‏وقال فيكسلباوم: «تشير هذه النتائج إلى إمكانية استهداف بروتين TET2، وكذلك استهداف جزيئات الحمض النووي الريبي المرتبطة بالكروماتين. وأعتقد أن هذا النهج قد يفتح طريقا للوقاية من انتشار السرطان أو علاجه».