‏انقطاع الطمث يضعف العظام بصمت ... كيف يمكن حمايتها؟

لماذا تتسارع خسارة كثافة العظام بعد انقطاع الطمث؟  ‏( مصدر الصورة: Unsplash ) لماذا تتسارع خسارة كثافة العظام بعد انقطاع الطمث؟ ‏( مصدر الصورة: Unsplash )

‏قد يبدو الهيكل العظمي المعلق على باب أو الموضوع في حديقة أحد الجيران خلال عيد الهالوين بنية مكتملة وثابتة، لكن الهيكل العظمي داخل جسم الإنسان الحي يتغير باستمرار. وخلال مرحلة انقطاع الطمث ، قد تميل هذه التغيرات نحو فقدان العظام، وغالبا ما يحدث ذلك من دون ألم أو علامات تحذيرية واضحة.

‏أنا باحثة في علم الأحياء الهيكلي بكلية الطب في جامعة واشنطن بمدينة سانت لويس، وتركز أبحاثي على كيفية تأثير الإشارات الهرمونية والاستقلابية في تجدد العظام. ومن وجهة نظري، فإن الطبيعة الصامتة لفقدان العظام تجعل مرحلة انقطاع الطمث وقتا مهما لطرح موضوع صحة الهيكل العظمي ومناقشته.

‏وقد يبدأ تسارع فقدان العظام قبل آخر دورة شهرية. ولا يتأكد حدوث انقطاع الطمث الطبيعي إلا بعد مرور 12 شهرا متتاليا من دون دورة شهرية، في غياب أي تفسير آخر لذلك. وهذا يعني أن فقدان العظام قد يتسارع قبل أن تعرف المرأة أن دورتها الشهرية الأخيرة كانت بالفعل الأخيرة.

‏لماذا تتغير العظام خلال انقطاع الطمث؟

انقطاع الطمث قد يسرع فقدان كثافة العظام ‏( مصدر الصورة: Unsplash )

‏العظام أنسجة حية تجدد نفسها باستمرار. وخلال هذه العملية، التي تسمى إعادة تشكيل العظام، تتولى خلايا تعرف باسم ناقضات العظم إزالة الأنسجة العظمية القديمة، بينما تعمل خلايا أخرى تسمى بانيات العظم على بناء أنسجة بديلة.

‏ويساعد هرمون الإستروجين على تنظيم عملية التجدد هذه. ومع انخفاض مستوياته في مرحلة انقطاع الطمث، قد تصبح عملية إزالة العظام أسرع من بنائها، ما يسهم في فقدان الكتلة العظمية والإصابة بهشاشة العظام، وهي حالة تصبح فيها العظام أكثر مسامية وهشاشة وعرضة للكسور.

‏ويمكن أن تصيب هشاشة العظام النساء والرجال، وتصبح أكثر شيوعا مع التقدم في العمر، لكنها قد تظهر أيضا لدى الأشخاص الأصغر سنا. وغالبا لا يشعر المصاب بأعراض واضحة إلى أن يتعرض لكسر في العظام.

‏ويكشف توقيت هذه التغيرات أهمية مرحلة انقطاع الطمث. فقد تابع تحليل شمل 862 مشاركة في دراسة صحة المرأة عبر الأمة، وهي دراسة أمريكية طويلة الأمد تتناول صحة النساء في منتصف العمر، التغيرات في كثافة العظام وعلاقتها بآخر دورة شهرية.

‏وأظهرت النتائج أن فقدان العظام في أسفل العمود الفقري والمنطقة القريبة من مفصل الورك كان الأسرع، في المتوسط، خلال الفترة الممتدة من نحو عام قبل آخر دورة شهرية إلى عامين بعدها. ثم تباطأت وتيرة الفقدان، لكنها لم تتوقف.

‏ولا تعني هذه النتائج أن جميع النساء يفقدن الكمية نفسها من العظام أو يصبن بهشاشة العظام، لكنها توضح لماذا تستحق مرحلة الانتقال إلى انقطاع الطمث اهتماما خاصا، بدلا من اعتبار فقدان العظام مشكلة تقتصر على النساء الأكبر سنا.

‏خطر الكسور وفقدان العظام لا يرتبطان بالعمر وحده

‏عند تقييم احتمال تعرض شخص ما لكسر في العظام، يأخذ الأطباء في الاعتبار عوامل متعددة، منها انخفاض وزن الجسم والتدخين والإفراط في تناول الكحول، وما إذا كان أحد والدي المريض قد تعرض لكسر في مفصل الورك.

‏كما يساعد فحص كثافة العظام على قياس كثافة المعادن فيها وتقييم خطر الإصابة بالكسور، ويوفر معلومات مفيدة عند جمع نتائجه مع التاريخ الطبي وعوامل الخطر الأخرى.

‏وتوصي فرقة الخدمات الوقائية الأمريكية، وهي لجنة مستقلة من الخبراء في مجال الرعاية الوقائية، بإجراء فحص للكشف عن هشاشة العظام لدى النساء ابتداء من سن 65 عاما.

‏كما توصي بفحص النساء الأصغر سنا بعد انقطاع الطمث عندما يشير تاريخهن الصحي وعوامل الخطر الأخرى إلى ارتفاع احتمال تعرضهن للكسور. لكن ذلك لا يعني أن كل امرأة تحتاج إلى إجراء فحص لكثافة العظام بمجرد حدوث تغيرات في دورتها الشهرية.

‏وتتعلق هذه التوصيات بالفحوص الدورية. أما الأشخاص المصابون بالفعل بهشاشة العظام، أو الذين تعرضوا لكسر بعد سقوط بسيط، أو يعانون مرضا أو يتناولون أدوية تسبب فقدان العظام، فيحتاجون إلى تقييم طبي يتناسب مع حالتهم.

‏وتقدم تجربة بريطانية مثالا على فائدة تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر وتقديم توصيات علاجية لهم. فقد شملت أكثر من 12 ألف امرأة تتراوح أعمارهن بين 70 و85 عاما، وخضعت مجموعة منهن للرعاية المعتادة، بينما تلقت مجموعة أخرى فحوصا للكشف عن الهشاشة، تلتها توصيات بالعلاج للنساء اللواتي تبين أنهن أكثر عرضة للخطر.

‏وخلال خمس سنوات، كانت النساء في مجموعة الفحص أقل عرضة للإصابة بكسور في مفصل الورك.

‏لكن عندما جمع الباحثون الكسور المرتبطة بهشاشة العظام في مختلف أجزاء الجسم، لم يجدوا انخفاضا ذا دلالة إحصائية في عددها.

‏وتدعم هذه النتائج فائدة الفحص المرتبط بالعلاج لدى النساء الأكبر سنا، لكنها لا تحدد العمر الذي ينبغي أن تبدأ عنده الفحوص خلال مرحلة الانتقال إلى انقطاع الطمث.

‏الحركة والتغذية تدعمان صحة العظام

‏تستجيب العظام للقوى التي تتعرض لها. فالأنشطة التي تحمل وزن الجسم، مثل المشي وصعود الدرج، تجعل العظام تتحمل وزن الجسم.

‏أما تمارين المقاومة باستخدام الأوزان أو الأربطة المطاطية أو وزن الجسم، فتولد قوى إضافية تؤثر في العظام عندما تشد العضلات عليها.

‏ويمكن أن تساعد تمارين التوازن، مثل رياضة التاي تشي والتمارين التي تتضمن نقل وزن الجسم من قدم إلى أخرى، على تحسين الثبات وتقليل خطر السقوط. لذلك، فإن النشاط البدني المفيد لصحة العظام لا يقتصر على نوع واحد من الحركة.

‏وفي تجربة أسترالية نشرت عام 2018، اختبر الباحثون ما إذا كانت تمارين المقاومة الشديدة تحت الإشراف والحركات التي تتضمن تأثيرا وارتطاما محسوبا يمكن أن تحسن كثافة العظام والقدرة البدنية لدى نساء بعد انقطاع الطمث يعانين انخفاض الكتلة العظمية.

‏وبعد ثمانية أشهر، حققت المشاركات في برنامج التمارين هذا نتائج أفضل من النساء اللواتي اتبعن برنامجا منزليا أقل كثافة. وكانت المشاركات قد خضعن لتقييم دقيق، كما جرت مراقبة تدريباتهن عن كثب.

‏وتعد هذه التحسينات مشجعة، لكن ارتفاع كثافة العظام لا يعني بالضرورة انخفاض عدد الكسور؛ إذ لم تثبت التجربة أن البرنامج أدى إلى تقليلها.

‏وقد يحتاج الأشخاص المصابون بهشاشة العظام، أو الذين سبق أن تعرضوا لكسور، أو لديهم قيود جسدية، إلى إرشادات طبية لتحديد الحركات والأوزان المناسبة لهم.

‏ويمكن أن يساعد بناء قوة العضلات وتحسين التوازن على دعم القدرة على الحركة، إلى جانب تعزيز صحة العظام. ويعتمد اختيار التمارين المناسبة على الظروف الصحية لكل شخص.

‏أما التغذية فتسهم بطريقة مختلفة في دعم الهيكل العظمي. إذ يوفر الكالسيوم المعادن التي تساعد على منح العظام قوتها، بينما يساعد فيتامين D الجسم على امتصاص الكالسيوم. كما يشكل الحصول على كمية كافية من البروتين جزءا من النظام الغذائي المتوازن.

‏وتشمل الأطعمة الغنية بالكالسيوم منتجات الألبان، والبدائل المدعمة بها، والسردين أو السلمون المعلب الذي تؤكل عظامه، إضافة إلى خضراوات مثل الملفوف الصيني والبروكلي.

‏وقد تكون مكملات الكالسيوم أو فيتامين D مفيدة عندما لا يحصل الشخص على كفايته منهما عبر الغذاء، أو عندما يعاني نقصا يحتاج إلى العلاج. لكنها لا تحل محل أدوية هشاشة العظام عندما تكون هذه الأدوية ضرورية.

‏وبذلك تعمل التغذية والعلاج الطبي معا لدعم صحة العظام.

‏العلاج يختلف باختلاف الحالة الصحية

‏يمكن للعلاج الهرموني الجهازي لانقطاع الطمث، وهو علاج تصل فيه الهرمونات إلى مختلف أنحاء الجسم، أن يخفف الهبات الساخنة والتعرق الليلي المزعج، كما يساعد على الوقاية من فقدان العظام والكسور.

‏لكن فوائده ومخاطره تعتمد على عمر المرأة والمدة التي مرت منذ انقطاع الطمث وتاريخها الطبي ونوع العلاج المستخدم.

‏وبالنسبة إلى النساء دون سن 60 عاما، أو اللواتي لم يمض أكثر من 10 سنوات على بدء انقطاع الطمث لديهن، ولا توجد لديهن أسباب طبية تمنع استخدام العلاج، فإن ميزان الفوائد والمخاطر للعلاج الهرموني يكون إيجابيا عموما عند استخدامه لتخفيف الأعراض المزعجة والوقاية من فقدان العظام.

‏ولا يعني ذلك أن العلاج الهرموني مناسب لجميع النساء. إذ ينبغي للمريضة والطبيب مناقشة الأعراض وصحة العظام والمخاطر الفردية، وإعادة تقييم قرار العلاج مع مرور الوقت.

‏وتوجد أيضا أدوية أخرى لعلاج هشاشة العظام، يمكنها إبطاء تكسير الأنسجة العظمية أو تحفيز تكوين عظام جديدة.

‏كما يأخذ الأطباء في الاعتبار الأمراض والأدوية الأخرى التي قد تضعف العظام، بما في ذلك اضطرابات الهرمونات وأمراض الجهاز الهضمي والعلاج طويل الأمد بالستيرويدات القشرية السكرية. فقد يكون انقطاع الطمث جزءا فقط من أسباب فقدان العظام.

‏ومن الأمثلة على ذلك فرط نشاط جارات الدرقية الأولي، وهي حالة تنتج فيها واحدة أو أكثر من الغدد جارات الدرقية الموجودة في الرقبة كميات مفرطة من هرمون جارات الدرقية.

‏ويمكن أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع مستوى الكالسيوم في الدم وإضعاف العظام. ويسهم اكتشاف هذه الحالة في تغيير خطة الرعاية والعلاج.

‏ويبرز هذا المثال أهمية البحث عن السبب الفعلي لفقدان العظام، بدلا من إرجاعه تلقائيا إلى التقدم في العمر.

‏الحصول على الرعاية الطبية عامل أساسي أيضا

‏تفترض النصائح المتعلقة بفحوص كثافة العظام والعلاج أن الأشخاص يستطيعون الوصول إلى هذه الخدمات. لكن النظر إلى ما هو أبعد من الخيارات الفردية يكشف أن إمكانية الحصول على الرعاية الصحية تؤثر أيضا في الخيارات المتاحة أمام المرضى.

‏ومن الأمثلة على ذلك مراجعة أجريت عام 2025 وشملت 22 دولة ومنطقة في آسيا والمحيط الهادئ، ووثقت اختلافات كبيرة في إمكانية الحصول على رعاية هشاشة العظام.

‏وتراوحت فترات الانتظار لإجراء فحوص كثافة العظام بين الحصول عليها في اليوم نفسه والانتظار لما يقارب عاما كاملا. كما حدت الثغرات في تغطية الأدوية من القدرة على تحمل تكاليف العلاج.

‏وتتناول هذه المراجعة الإقليمية هشاشة العظام عموما، وليس الحالات المرتبطة بانقطاع الطمث وحدها.

‏وبعبارة أخرى، فإن جعل الوقاية ممكنة يتطلب رفع مستوى الوعي الصحي، إلى جانب توفير أنظمة صحية تتيح إجراء الفحوص والمتابعة والعلاج بتكاليف يمكن تحملها.

‏وتوفر مرحلة انقطاع الطمث فرصة لمناقشة صحة الهيكل العظمي، حتى عندما لا تشعر المرأة بأي مشكلة صحية. فقد تتضمن الخطوات المناسبة تقييم عوامل الخطر، أو ممارسة نشاط بدني ملائم، أو إجراء تغييرات غذائية، أو اللجوء إلى العلاج الطبي.

‏ومن المهم أن تبدأ مناقشة صحة العظام قبل حدوث الكسر، لا أن يكون الكسر هو السبب الأول للانتباه إليها.