لطالما اعتُبر التستوستيرون هرمونا جنسيا ذكوريا، لكن هذا التصور القديم قد يعيق تطوير علاجات أفضل للنساء بعد انقطاع الطمث.
فإلى جانب الإستروجين، ينتج المبيضان أيضا هرمون التستوستيرون، وقد يكون لهذا الهرمون، الذي لم يحظ بالاهتمام الكافي، دور في فقدان العظام مع التقدم في العمر.
وأظهرت دراسة صغيرة جديدة أن إضافة التستوستيرون إلى العلاج بالهرمونات البديلة قد تساعد على حماية كثافة العظام بدرجة أكبر مقارنة باستخدام الإستروجين وحده.
ولم تُنشر النتائج حتى الآن في بحث خضع لمراجعة الأقران، لكنها عُرضت خلال الاجتماع السنوي لجمعية سن اليأس لعام 2026، الذي عُقد في مدينة سان دييغو خلال شهر أكتوبر.
وقالت سونا ديفيس، الباحثة الرئيسية في الدراسة من جامعة جنوب كاليفورنيا: «تستحق النساء في مرحلة انقطاع الطمث خيارات علاجية تراعي تعقيد احتياجاتهن الصحية، بما في ذلك الحفاظ على صحة العظام على المدى الطويل».
وأضافت: «نأمل أن تشجع نتائجنا إجراء مزيد من الأبحاث حول كيفية استخدام التستوستيرون بأمان وفاعلية ضمن رعاية فردية تناسب احتياجات النساء خلال هذه المرحلة».
ويُستخدم العلاج بالتستوستيرون حاليا بصورة أكثر رسوخا للمساعدة في علاج مشكلات العظام لدى الرجال الذين يعانون انخفاض مستويات هذا الهرمون، لكن الأدلة الأولية تشير إلى احتمال استفادة النساء منه أيضا.
هل تعزز إضافة التستوستيرون فوائد الإستروجين للعظام؟
التستوستيرون لدى النساء ( مصدر الصورة الرئيسية: Getty Images )
تبلغ كتلة العظام ذروتها في مرحلة البلوغ المبكر لدى الرجال والنساء، لكنها تبدأ في الانخفاض مع التقدم في العمر، ويكون هذا التراجع أسرع لدى النساء، ولا سيما بعد انقطاع الطمث.
وغالبا ما يُعزى فقدان العظام لدى النساء إلى انخفاض مستويات الإستروجين. فبعد انقطاع الطمث وتوقف الدورة الشهرية، تنخفض مستويات هذا الهرمون بسرعة، وهو ما يعد أحد الأسباب الرئيسية لضعف العظام وزيادة مساميتها مع التقدم في العمر.
ومنذ عقود، يُستخدم العلاج بالإستروجين للمساعدة على الحد من فقدان العظام لدى بعض النساء الأكبر سنا. ويمكن أن يؤدي تعويض هذا الهرمون إلى زيادة كثافة العظام وتقليل خطر الكسور في العمود الفقري والورك لدى النساء بعد انقطاع الطمث.
لكن مستويات التستوستيرون تنخفض هي الأخرى مع التقدم في العمر، وقد ربطت دراسات حديثة بين هذا الهرمون وصحة العظام، ليس لدى الرجال الأكبر سنا فحسب، بل لدى النساء أيضا.
ففي عام 2022، وجدت دراسة سكانية أُجريت في الولايات المتحدة وشملت نساء تتراوح أعمارهن بين 40 و60 عاما، وجود ارتباط إيجابي بين مستويات التستوستيرون وكثافة المعادن في عظام العمود الفقري القطني.
وكتب الباحثون آنذاك أن الأدبيات العلمية توضح بصورة أساسية أن التستوستيرون يعزز كثافة المعادن في العظام لدى الرجال.
لكنهم أشاروا إلى أن الأدلة المتعلقة بالنساء ما تزال محدودة ومحل جدل.
دراسة شملت 51 امرأة بعد انقطاع الطمث
لمعرفة ما إذا كان التستوستيرون يستطيع تعزيز فوائد العلاج بالإستروجين لعظام النساء، حللت الدراسة الجديدة النتائج الصحية لدى 51 امرأة بعد انقطاع الطمث.
وكانت جميع المشاركات يتلقين العلاج الهرموني في مستشفى خاص واحد، وجربت كل منهن نوعين من العلاج، مدة كل منهما سنة واحدة على الأقل، واستمر العلاج عادة عدة سنوات.
اعتمد النوع الأول على الإستروجين وحده، بينما جمع النوع الثاني بين الإستروجين والتستوستيرون.
وقاس الباحثون كثافة المعادن في العظام باستخدام فحوص الأشعة السينية في بداية فترة الدراسة، ثم أعادوا القياس بعد مرور عام على كل نوع من العلاج.
تحسن كثافة عظام العمود الفقري
أظهرت النتائج أن العلاج بالإستروجين وحده ساعد على الحفاظ على كثافة العظام، لكنه لم يؤد إلى زيادة ملحوظة فيها في أي من المناطق التي فُحصت، وهي العمود الفقري القطني وعنق عظم الفخذ والورك.
في المقابل، أدى الجمع بين الإستروجين والتستوستيرون إلى تحسن في قياسات كثافة العظام في العمود الفقري القطني.
وخلص الباحثون في الملخص الذي قدموه إلى المؤتمر إلى أن التستوستيرون قد يعمل بالتآزر مع الإستروجين لتعزيز صحة العظام الإسفنجية، ولا سيما في العمود الفقري، بما قد يوفر فوائد إضافية للعظام مقارنة باستخدام الإستروجين وحده.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان التحسن المسجل في كثافة عظام العمود الفقري كافيا لتقليل خطر الكسور، وهو أحد أهم المعايير المستخدمة لتقييم نجاح علاج هشاشة العظام.
الحاجة إلى تجارب أكبر وأطول
تعزز هذه النتائج الفرضية القائلة إن التستوستيرون قد يؤدي دورا في حماية العظام مع التقدم في العمر، لكنها لا تكفي حتى الآن لإثبات فاعلية هذا العلاج لدى النساء.
وفي عام 2023، أطلق باحثون في جامعة موناش الأسترالية تجربة لدراسة هذه المسألة، مشيرين إلى وجود بعض الأدلة على أن إضافة التستوستيرون إلى العلاج التعويضي بالإستروجين قد تساعد على منع فقدان العظام واستعادة الوظيفة الجنسية لدى النساء اللواتي يعانين انقطاع الطمث المبكر.
وفي العام نفسه، وجدت تجربة صغيرة أن العلاج بالتستوستيرون وحده، أو استخدامه مع جرعة منخفضة من الإستروجين، يمكن أن يحسن كثافة العظام في العمود الفقري والورك.
لكن الباحثين يؤكدون الحاجة إلى تجارب سريرية أكبر تمتد لفترات أطول، على أن تقيس هذه الدراسات مدى انخفاض خطر الكسور الفعلية، لا مجرد الزيادة في كثافة العظام.
وتُعد معرفة هذه النتائج السريرية ضرورية لتقييم فوائد العلاج بالهرمونات البديلة ومخاطره، وهو علاج ينبغي أن يوازن الأطباء والمريضات بين منافعه المحتملة ومخاطره قبل اتخاذ قرار استخدامه.
التستوستيرون هرمون مهم لصحة المرأة
تشير النتائج إلى أهمية عدم النظر إلى التستوستيرون باعتباره هرمونا خاصا بالرجال، فهو يؤدي وظائف أساسية في جسم المرأة أيضا، ويؤثر في جوانب متعددة من الصحة، بدءا من الدماغ وصولا إلى القلب.
أما تأثيره في العظام، فما يزال مجالا علميا يحتاج إلى مزيد من البحث لفهم آلياته وتحديد أفضل السبل للاستفادة منه.
تنويه طبي: هذه النتائج أولية ولم تُنشر بعد في دراسة محكمة. ولا تعني أن النساء بعد انقطاع الطمث ينبغي أن يبدأن باستخدام التستوستيرون لحماية العظام؛ إذ يتطلب تحديد مدى أمان العلاج وفاعليته إجراء دراسات إضافية وتقييما طبيا فرديا.