عثر باحثون في أرشيف جامعة إنديانا بالولايات المتحدة على أقدم تسجيلات صوتية معروفة للغة الكريولية في ولاية لويزيانا، وهي لغة مهددة بالاندثار، سجلها عالم اللغويات الأمريكي من أصول إفريقية لورينزو دو تيرنر عام 1935.
واكتشف هذه التسجيلات الدكتور أوليفر مايو، من جامعة كامبريدج، ونشرت نتائج البحث في مجلة Language Documentation and Description المتخصصة في توثيق اللغات ووصفها .
وحُفظت التسجيلات على أقراص ألومنيوم جرى تحويلها إلى صيغة رقمية، وكانت تحمل علامة «Louisiana»، وظلت مخزنة بين مئات الملفات على خادم أرشيف الموسيقى التقليدية.
وتوثق هذه التسجيلات أصوات سكان من أصول إفريقية عاشوا في لويزيانا خلال النصف الأول من القرن العشرين، ومن بينهم جورج دويل، وهو شرطي سابق، وإيما بنوا، وهي مزارعة تعمل بنظام اقتسام المحصول، إضافة إلى أوديليا إدموند، وهي امرأة عُرفت بحديثها الحيوي ومواقفها الطريفة.
وتروي إدموند في التسجيلات بعض الحكايات من شبابها، ومنها أنها كانت تنتزع أغطية رؤوس العرائس داخل الكنيسة، كما تمكنت من خداع شخصية محلية اشتهرت باسم زوزو لابريك، وهي بائعة لمسحوق الطوب الأحمر المستخدم في طقوس الفودو، وسرقت منها 30 سنتا.
اللغة الكريولية في لويزيانا ( مصدر الصورة: Magnific )
وكان الباحثون في السابق يعتمدون على النصوص المكتوبة التي نقلت الأحاديث، من دون أن تتوفر لديهم تسجيلات صوتية مباشرة لأصحاب اللغة.
كيف نشأت اللغة الكريولية في لويزيانا؟
تكوّنت اللغة الكريولية في لويزيانا خلال القرن الثامن عشر داخل مزارع العبيد، حيث كان يجمع المستعبدون المنحدرون من قبائل مختلفة في غرب إفريقيا مع أصحاب المزارع الفرنسيين.
وبحلول منتصف القرن العشرين، اختفت اللغة من مدينة نيو أورليانز، ولم يعد يتحدث بها اليوم سوى بضعة آلاف من كبار السن في المناطق الريفية.
وأوضح مايو أن الأفارقة الذين لم تكن لديهم لغة مشتركة كانوا يُجبرون على العمل في المزارع، حيث كانت الفرنسية لغة الإدارة والتعاملات الرسمية.
وقال: «كان الأفارقة الذين لا يتحدثون لغة مشتركة يُساقون بالقوة إلى المزارع، حيث كانت الفرنسية لغة الإدارة. تعلم الجميع شكلا مبسطا من الفرنسية، ثم ظهرت تدريجيا أشكال أكثر تبسيطا من هذا الكلام. وهكذا ولدت لغة جديدة خلال فترة قصيرة نسبيا».
كيف سجل عالم اللغويات أصوات المتحدثين؟
كان لورينزو دو تيرنر، المولود في ولاية كارولاينا الشمالية، قد سافر إلى لويزيانا لتنفيذ مشروع بحثي لم يحصل في النهاية على التمويل اللازم.
وكان يحمل معه معدات تسجيل يزيد وزنها على 100 رطل، أي نحو 45 كيلوغراما، وكانت تشبه خزانة كبيرة مزودة بميكروفون معدني ضخم.
وسجل تيرنر أحاديث المشاركين في عيادات أطباء من أصول إفريقية، إذ كانت هذه الأماكن تتوفر فيها الكهرباء، كما كان المتحدثون يشعرون فيها بالأمان والراحة.
وتكشف التسجيلات كيف كان تيرنر يشجع الأشخاص الذين يلتقيهم على التحدث بلغتهم الكريولية، في محاولة لتوثيقها وحفظها.
جهود حديثة لإحياء اللغة المهددة بالاندثار
في الوقت الحالي، يعمل شباب من سكان لويزيانا على إحياء اللغة الكريولية المعروفة باسم Kouri-Vini، وينشرون دروسا تعليمية لها عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ويرى كليف سان لوران، وهو مدرس وناشط في مجال إحياء اللغة، أن الاستماع إلى هذه التسجيلات يحمل أهمية كبيرة للأجيال الجديدة.
وقال: «إن سماع الأصوات المسجلة الأولى المعروفة لأسلافنا يشعل شغفا يكاد يجعلنا نشعر بأننا ملزمون بإعادة هذا الإرث اللغوي إلى الحياة».
من جانبه، أشار مايو إلى أن كثيرا من أبناء جيله هم أحفاد لأشخاص كانوا يتحدثون الكريولية، لكن آباءهم لم يتعلموا هذه اللغة ولم يستخدموها.
وأضاف أن جده نفسه كان يتحدث الكريولية، لكنه أراد لأبنائه تعلم اللغة الإنجليزية، حتى إن العائلة كانت تصف الكريولية بأنها «لغة قذرة».
ويعكس هذا الموقف التحولات الاجتماعية التي تعرضت لها اللغة عبر الأجيال، بعدما تراجع استخدامها داخل بعض العائلات، وأصبح تعلم الإنجليزية يُنظر إليه باعتباره وسيلة لتحسين فرص الأبناء في المجتمع.
ويمنح العثور على هذه التسجيلات الباحثين فرصة نادرة للاستماع مباشرة إلى متحدثين أصليين باللغة الكريولية في لويزيانا، كما يوفر مادة صوتية مهمة للجهود الحالية الرامية إلى توثيق هذا التراث اللغوي وإحيائه قبل أن يختفي مع رحيل آخر المتحدثين به.