خاص إدلب على صفيح ساخن.. الأتراك أمام اختبار "قبول الهزيمة" أو المواجهة

تركيا في سوريا

لا تبدو خسارة ادلب سهلة بالنسبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إذ أن المحافظة التي أضحت آخر المستودعات التي اجلى الجيش السوري  المسلحين إليها، تشكل آخر أوراق القوة بالنسبة للرئيس الاخواني. 
مؤخراً، تصاعدت المواجهة بين الدولة السورية والجانب الروسي من جهة، والقوات التركية من جهة أخرى، على خلفية التقدم الذي أحرزته" دمشق" ميدانيا باتجاه مدينة سراقب، إذ أن الجيش السوري اتخذ قراراً حاسماً بقصف نقطة عسكرية تركية مستحدثة على طريق (حلب - اللاذقية) قرب بلدة "ترنبة"؛ كانت تهدف إلى كسر تقدم الجيش السوري، ما أدى إلى مقتل ثمانية أتراك بينهم 5 جنود، الأمر الذي استدعى رداً تركياً عسكرياً، سبقه تصعيد لغة الخطاب مع روسيا والدولة السورية، وزعم الرئيس التركي أن جيشه استطاع قتل نحو 35 جندياً سورياً، فيما نفى الجيش السوري وقوع اصابات جراء القصف التركي. 

أمّا على صعيد السياسة، فقد بدا الرئيس التركي مسعوراً في خطابه الاعلامي؛ ففي يوم امس أكد أنه لن يعترف بسيطرة روسيا على القرم، وأدى بعد العروض المسرحية الاستفزازية لروسيا على هامش زياراته الطارئة لأوكرانيا، بينما صرح مساء اليوم الثلاثاء، بأن تركيا لن تسمح للجيش السوري بالسيطرة على المزيد من المساحات في ادلب.

وأمام تلك الوقائع الميدانية، وفي ظل دعم تركيا للمسلحين بلا خطوط حمر، إذ تشير مصادر ميدانية لـ "النهضة نيوز" بأن "أنقرة" زودت المسلحين بقرابة الـ 250 آلية تركية، فضلاً عن اغراق المجموعات المتطرفة بالسلاح النوعي والمتطور؛ بهدف عرقلة "الكباش السوري" الذي يبدو في هذه المرة مصراً على تطهير ادلب،  فهل يمكن أن تصل تلك المناوشات إلى مواجهة مباشرة بين دمشق وأنقرة؟
يوضح محللون سياسيون لـ "النهضة نيوز" أن الضربة التي وجهها الجيش السوري للقوات التركية، تمت بتنسيق عالي المستوى مع الجانب الروسي، فيما يبدو وأنه ثمة قراراً سوريا روسياً مشتركاً؛ لانجاز العمليات في ادلب، مهما كان الثمن.
هذه الرغبة الروسية بوضع حد للتغول التركي، عزاه الخبير في علم الاجتماع السياسي الدكتور مهند الضاهر في حديثه مع "النهضة نيوز"  إلى أن التدخل التركي لم يكن فقط تحدياً لروسيا وإنما خرق للمواثيق والاتفاقيات والعهود الموقعة بين الطرفين، موضحا أن الموقف الروسي الآن يؤكد تماما وقوفه إلى جانب الدولة السورية إدراكا منه بأن سورية لم تأل جهدا لحل هذا الصراع مع الجماعات الإرهابية حيث وافقت على هدنة استجابة لطلب روسي دفعت ثمنها / 40 / جنديا سوريا و/ 15/ جنديا روسيا، وهو ما أعرب عنه ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الرئاسة الروسية في معرض رده على اتهامات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لروسيا بعدم الامتثال لاتفاقيات سوتشي وأستانا حيث قال: "إن الجماعات الإرهابية من هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة وكل هذه التنظيمات الأخرى اعتدت على الجيش العربي السوري وحتى على الروس في قاعدة حميميم".

وفي إطار ردود الأفعال وتطورات الموقف رسمت التصريحات المتناقضة لوزارتي الدفاع الروسية والتركية الكثير من علامات الاستفهام، إذ أكد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار أنه تم تحييد 76 عنصرا من الجيش السوري واستهداف 54 موقعا سوريا بإدلب وأن الجيش التركي أبلغ المعنيين في الجانب الروسي بتحركات قواته مرتين الأمر الذي نفته الدفاع الروسية في بيان لها قالت فيه: "إن وحدات من القوات التركية قامت بتحركات داخل منطقة إدلب لخفض التصعيد في ليلتي 2 و 3 شباط دون إخطار الجانب الروسي وتعرضت لإطلاق نار من قبل القوات الحكومية السورية مؤكدة أن الأجواء فوق تلك تراقبها القوات الجوية الفضائية الروسية باستمرار وأن الطائرات الحربية التركية لم تخرق الحدود السورية ولم يتم تسجيل ضربات ضد مواقع القوات السورية".
يرجح "الضاهر" أيضاً أن التصريحات الروسية انطلقت من أن الجانب السوري لم يعلن عن مواقع تم استهدافها ومن قناعة مفادها أن التركي لا يريد مواجهة مباشرة مع الجيش العربي السوري وإنما مبتغاه من هذا التصعيد إلهاء الجيش السوري والضغط على الروسي لعل دمشق تتراجع عن خطوة تحرير إدلب الأمر الذي تعتبره سوريا قرارا سياديا لجهة تحرير كل أراضيها وخاصة إدلب آخر معاقل الارهابيين إضافة الى ريف حلب الغربي؛ مستبعدا حدوث مواجهة عسكرية بين دمشق وأنقرة.
ويرى الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية أن أي مواجهة عسكرية بين البلدين ستضع الجيش التركي أمام الخبرات التي اكتسبها الجيش السوري خلال تسع سنوات من الحرب خاض فيها جميع أنواع الحروب وتكتيكاتها ولاسيما حروب العصابات  والمعلومات والحروب الشاملة لافتا إلى أن الجيش التركي يعي هذا الأمر جيدا ويدرك أنه لا مصلحة له بمواجهة مباشرة مع الجيش السوري الذي  يحكم الجغرافيا ويفهمها جيدا وبالتالي لن يصل الأمر الى مواجهة مباشرة بين الجيشين.
وطبعا لا يخفى على أحد حجم التفاهمات والتبادل التجاري بين روسيا وتركيا ما سيدفع الروس رغم دعمهم للدولة السورية إلى محاولة احتواء ما جرى وتهدئة الوضع كي لا يصل إلى حرب بحسب الخبير السوري في إشارة منه إلى المصالح الاقتصادية بين البلدين ولا سيما المشروع الأوراسي الذي يضم أربع دول أساسية هي تركيا وسورية والعراق وإيران إضافة إلى المشروع الصيني حيث يقف هذان المشروعان بوجه المشروع الأمريكي في المنطقة ويعملان على نزع التركي من حضن الناتو والحضن الأمريكي.

ويبقى مستقبل العلاقة بين روسيا وتركيا منوطاً بكيفية تعاطي موسكو مع تصريح أردوغان اليوم قبيل مغادرته أوكرانيا والذي قال فيه:  "إن أنقرة ستواصل التمسك بوحدة أراضي أوكرانيا ولن تعترف بالضم غير القانوني لـشبه جزيرة القرم وأن تتار القرم هم جانب مهم في العلاقة الوثيقة مع أوكرانيا" ولاسيما أن الرئاسة الروسية وعلى لسان بيسكوف أكدت تعليقا على تلك التصريحات معارضة موسكو للصيغة التي استخدمها أردوغان.

يحيى بصل و فريق تحرير النهضة نيوز

النهضة نيوز - بيروت