كشف موقع الدفاع العربي أنه بمناسبة الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، تبادل الرئيسان التهاني، بينما ركزت وسائل الإعلام الصينية على سردية الصداقة التاريخية والشراكة الاستراتيجية الممتدة.
لكن خلف هذا الطابع الاحتفالي، يتبلور تصاعد الحضور الصيني في المعادلات المصرية، ليس فقط كشريك اقتصادي، بل كعنصر آخذ في التوسع داخل مجالات عسكرية وتقنية أكثر حساسية، فمنذ ترقية العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، اتخذ التعاون بين القاهرة وبكين مسارا تصاعديا شمل قطاعات متعددة، أبرزها المجال الدفاعي.
وسبق لمصر أن استفادت من منظومات صينية في التدريب والطائرات غير المأهولة، من بينها طائرات K-8 التدريبية، إضافة إلى مسيرات من طراز ASN-209، مما وضع أساسا متينا لتوسيع التعاون نحو أنظمة قتالية أكثر تقدما.
الطائرة المقاتلة الصينية من طراز J-10CE (مصدر الصورة: موقع الدفاع العربي)
نسور الحضارة 2025 تكشف مفهوم القتال الشبكي المتكامل
وذكر الموقع أنه خلال شهري أبريل ومايو 2025، شهدت مصر أول تدريب جوي مشترك مع الصين تحت مسمى نسور الحضارة 2025، حيث أكدت بيانات رسمية من الجانبين أن الهدف يتمثل في تعزيز الجاهزية القتالية وتطوير مستوى التنسيق العملياتي، وما ميز هذا التدريب لم يكن المشاركة بحد ذاتها، بل طبيعة التشكيل الجوي الصيني الذي عكس نمطا متكاملا في العمل.
لم يقتصر التشكيل على مقاتلات J-10C، بل امتد ليشمل طائرة النقل الاستراتيجي Y-20، ومنظومة الإنذار المبكر KJ-500، إلى جانب طائرة التزود بالوقود جوا YY-20، في مشهد يعكس مفهوم القتال الشبكي المتكامل أكثر من كونه عرضا رمزيا تقليديا.
إن هذا التطور تزامن مع تقارير متعددة أشارت إلى اهتمام مصري محتمل بالمقاتلة الصينية J-10C، وهي مقاتلة متعددة المهام من الجيل الرابع المتقدم، قادرة على حمل ذخائر جو-جو بعيدة المدى، ورغم غياب أي تأكيد رسمي حول صفقات محتملة، فإن تداول هذه الفرضيات يعكس نقاشا داخل المؤسسة العسكرية المصرية حول ضرورة تنويع مصادر التسليح، وتقليل الاعتماد على منصات محددة مثل F-16 وما يرتبط بها من قيود التحديث والتطوير.
بالتزامن تتسارع جهود مصر في تطوير قدراتها في مجال الطائرات المسيرة والتصنيع المحلي، حيث تحدثت تقارير عن تفاهمات بين الهيئة العربية للتصنيع وشركات صينية لإنتاج مسيرات تكتيكية مسلحة داخل مصر.
طائرة الإنذار المبكر الصينية Shaanxi KJ-500 (مصدر الصورة: Wikipedia)
منظومة HQ-9B بين التسريبات الإعلامية وغياب التأكيد الرسمي
وأفاد الموقع أنه خلال الفترة الأخيرة، تداولت عدة وسائل إعلام أمريكية وأوروبية وروسية تقارير تحدثت عن احتمال تسلم مصر لأول دفعة من منظومة الدفاع الجوي الصينية بعيدة المدى HQ-9B، إن هذه الأنباء أثارت قدرا ملحوظا من الاهتمام، لكنها تبقى في إطار التسريبات الإعلامية دون أي إعلان رسمي من بكين أو القاهرة يؤكد الصفقة أو يحدد تفاصيلها، وتتبع الصين عادة سياسة شديدة التحفظ في ما يتعلق بصادراتها العسكرية، إذ نادرا ما تفصح بشكل مباشر عن طبيعة أو حجم صفقاتها الدفاعية.
في المقابل برزت إشارات من الجانب المصري نفسه، حيث أشار اللواء سمير فرج الخبير العسكري ومدير إدارة الشؤون المعنوية الأسبق بالقوات المسلحة المصرية، خلال ظهور تلفزيوني، إلى امتلاك مصر لمنظومات دفاع جوي متقدمة ومتنوعة، من بينها المنظومة الصينية بعيدة المدى HQ-9B، التي وصفها بأنها تقارب في قدراتها منظومات إس-400 الروسية.
من الناحية التقنية، تنتمي منظومة HQ-9B إلى عائلة دفاع جوي بعيدة المدى طورتها الصين منذ أواخر التسعينيات، وشهدت النسخ الأولى مدى اشتباك محدود نسبيا، قبل أن تتطور النسخ اللاحقة لتصل إلى مدى يتجاوز 200 كيلومتر وفقا للمواصفات المعلنة، مع تحسينات في أنظمة الرادار وقدرات مقاومة التشويش والتعامل مع الأهداف منخفضة البصمة، وقامت الصين بتصدير منظومات HQ-9 إلى باكستان وأوزبكستان حيث دخلت الخدمة في بيئات تشغيلية مختلفة.
نظام الدفاع الجوي الصيني HQ-9B (مصدر الصورة: موقع الدفاع العربي)
تنويع الشراكات الدفاعية ركيزة الاستراتيجية المصرية
ونوه الموقع إلى أنه لا يمكن فصل هذا المسار عن مقاربة مصرية أوسع تقوم على تنويع الشراكات الدفاعية بين عدد من القوى الدولية، تشمل الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا وألمانيا وإيطاليا والصين، بما يهدف إلى تجنب الارتهان السياسي أو التقني لأي طرف منفرد، وضمان قدر أكبر من المرونة والاستقلالية في اتخاذ القرار العسكري.
وتعكس هذه التطورات تزايد اهتمام دوائر إقليمية ودولية، بما فيها إسرائيل وبعض العواصم الغربية، بمسار تحديث القدرات العسكرية المصرية، خصوصا في ظل إدخال منظومات صينية محتملة، وتوسع برامج الطائرات المسيرة والتدريبات المشتركة.
على المستوى الدولي، تنحصر تقنيات الدفاع الجوي بعيدة المدى المتقدمة في ثلاث قوى رئيسية: الولايات المتحدة وروسيا والصين، وإن القيود السياسية والتصديرية تلعب دورا حاسما في تحديد الخيارات المتاحة، فالولايات المتحدة تتبع سياسة تقييد صارمة في تصدير بعض القدرات المتقدمة، بينما تواجه روسيا تحديات إنتاجية مرتبطة بالحرب في أوكرانيا، في المقابل تقدم الصين نفسها كبديل أكثر مرونة من حيث شروط التصدير والتكلفة، ما يجعل أنظمة مثل HQ-9B جزءا من النقاشات المرتبطة بتنويع مصادر التسليح.
القتال الشبكي والذكاء الاصطناعي.. مستقبل التعاون العسكري المصري الصيني
وأوضح الموقع أن الاتجاه المتزايد يشير نحو التعاون الدفاعي بين مصر والصين إلى تحول نوعي في طبيعة العلاقة، يتجاوز عقود التسلح التقليدية إلى مجالات أكثر تقدما تشمل أنظمة القتال غير المأهولة، والذكاء الاصطناعي في التطبيقات العسكرية، والحرب الإلكترونية، والشبكات المتكاملة للقيادة والسيطرة.
فالتدريب المشترك نسور الحضارة 2025 لم يكن مجرد مناورة عسكرية، بل رسالة استراتيجية مفادها أن القاهرة وبكين قادرتان على العمل معا في بيئة قتالية شبكية متطورة، وإذا تم تأكيد صفقة HQ-9B، فستكون هذه أول مرة تحصل فيها مصر على منظومة دفاع جوي بعيدة المدى من مصدر غير غربي أو روسي، مما يمثل سابقة في تاريخ التعاون العسكري المصري.
كما أن إنتاج مسيرات مسلحة داخل مصر بشراكة صينية يعكس نقلة نوعية في مفهوم التصنيع العسكري المحلي، حيث تنتقل القاهرة من دور المستورد إلى دور المصنع المرخص، فبين روايات الإعلام، وإشارات الخبراء، وغياب الإعلان الرسمي، يبقى السؤال: هل نحن أمام بداية تحول نوعي في بنية الدفاع الجوي المصري، أم أمام موجة جديدة من التكهنات التي تسبق عادة أي تطور عسكري كبير؟.