ذكر موقع دفاع العرب أن الصين أثارت مجددا اهتمام الأوساط العسكرية الدولية بعد أن رصدت صور أقمار صناعية حديثة غواصة ضخمة وغامضة بتصميم غير مألوف راسية في حوض بناء السفن «جيانغنان» بمدينة شنغهاي.
ووفقا لتقرير نشرته منصة “ذا وور زون” المتخصصة، فإن الغواصة الجديدة الصينية التي لم يُكشف رسميا عن اسمها أو تصنيفها العسكري ظهرت للمرة الأولى في أواخر مايو 2026، وأظهرت صور التقطتها شركة «فانتور» في الأول من يونيو 2026 الغواصة وهي راسية داخل منطقة الأرصفة في الحوض البحري.
وأكثر ما أثار دهشة الخبراء العسكريين الغياب التام لبرج القيادة التقليدي الذي يبرز عادة فوق هيكل الغواصات التقليدية، ما دفع المختصين في الحروب البحرية إلى اعتبار هذا التصميم غير المسبوق أحد أكثر العناصر إثارة للنقاش والتحليل في السنوات الأخيرة.
التصميم الانسيابي يعزز السرعة والشبحية تحت الماء
وبحسب الموقع نقلا عن تحليل أجراه الخبير المتخصص في الحروب البحرية تحت السطح «إتش آي ساتون» ونشرته منصة “نافال نيوز”، حيث أوضح أن الغواصة الجديدة تتمتع بتصميم انسيابي ومستقبلي للغاية، وأن إزالة برج القيادة أو تقليص حجمه بشكل كبير يساهم بشكل مباشر في خفض مقاومة المياه أثناء حركة الغواصة تحت السطح.
إن هذا التصميم غير التقليدي يمنح الغواصة عدة مزايا عملياتية مهمة لا يمكن تجاهلها، وأبرزها زيادة السرعة القصوى تحت الماء، مما يجعلها أقرب إلى مفهوم «الغواصة الاعتراضية عالية السرعة» القادرة على ملاحقة الأهداف أو الاشتباك ثم الانسحاب بسرعة فائقة.
كما أن انخفاض مقاومة المياه يساهم بشكل مباشر في تقليل الضوضاء الهيدروديناميكية الناتجة عن الحركة، وهو أمر بالغ الأهمية في بيئات الحرب تحت الماء حيث يعتمد اكتشاف الغواصات بشكل أساسي على أجهزة السونار السلبية التي ترصد الأصوات، فهذا الانخفاض في الضوضاء يعزز بشكل كبير قدرات الغواصة الشبحية ويجعل اكتشافها بواسطة الأنظمة المضادة للغواصات أكثر صعوبة.
ويضاف إلى ذلك أن الخبراء يعتقدون أن هذا التصميم يوفر أداء مناورة متفوقا سواء في المياه العميقة المفتوحة أو في البيئات الساحلية المعقدة والمياه الضحلة حيث تكون حركة الغواصات التقليدية محدودة.
الغواصة النووية الهجومية الصينية Type 093 (مصدر الصورة: Artstorm)
أبعاد عملاقة تثير التساؤلات حول منظومة الدفع المستخدمة
وأشار الموقع إلى أنه استنادا إلى التحليل الدقيق للصور الفضائية، فقد قدر طول الغواصة بنحو 120 مترا، فيما يتراوح عرضها بين 10 و11 مترا، مما يجعلها واحدة من أكبر الغواصات التي ظهرت في الصين خلال السنوات الأخيرة، وهذه الأبعاد الكبيرة أثارت تساؤلات جدية حول نوع منظومة الدفع المستخدمة في هذا المثير البحري الضخم.
ففي حال كانت الغواصة تعمل بالمفاعلات النووية، فإن حجمها العملاق يقترب من حجم غواصات الهجوم النووي السريعة التي تمتلكها القوى البحرية الكبرى، أما إذا كانت تعتمد على الدفع التقليدي بأنظمة الديزل والكهرباء أو الأنظمة المتقدمة المستقلة عن الهواء AIP، فإنها ستصبح أكبر غواصة تقليدية في العالم، وهو إنجاز هندسي بحد ذاته.
ومن العناصر اللافتة الأخرى التي أظهرتها الصور أن الغواصة تستخدم دفة توجيه خلفية مصممة على شكل حرف X بدلا من الشكل المتقاطع التقليدي، وهي تقنية حديثة بدأت الصين بتطبيقها على بعض غواصاتها منذ عام 2024، ويعتقد أن هذا التصميم المتقدم يوفر كفاءة أعلى في المناورة ويمنح الغواصة قدرة أفضل على المناورة في المساحات المائية الضيقة، كما يساهم في تحسين مستويات السلامة والأداء العام مقارنة بالدفة التقليدية ذات الشكل المتقاطع، خاصة في البيئات البحرية المعقدة والمياه الساحلية الضحلة.
صمت صيني رسمي يغذي التكهنات حول المشروع الجديد
وأفاد الموقع أن الحكومة الصينية ووسائل الإعلام الرسمية لم تصدر أي تعليق أو بيان رسمي بشأن هذه الغواصة الجديدة حتى الآن، وهو ما يتماشى تماما مع النهج المعتاد والمتبع من قبل بحرية جيش التحرير الشعبي الصيني في التعامل مع جميع مشاريعها العسكرية الحساسة، والتي تفضل الإبقاء عليها سرية لأطول فترة ممكنة.
وربط بعض المحللين العسكريين هذا التصميم الجريء بالنموذج المفاهيمي للطائرة البحرية المسيرة العملاقة تحت الماء XLUUV التي عرضتها شركة بناء السفن الحكومية الصينية CSSC خلال معرض تشوهاي الجوي في عام 2024، حيث تضمن ذلك النموذج تصميما مشابها يخلو تماما من برج القيادة التقليدي.
ويؤكد ظهور هذه الغواصة الجديدة التي تحمل تصميما جريئا غير مسبوق أن الصين لا تكتفي بتوسيع أسطولها البحري وتعزيز عدده فقط، بل تسعى بجدية إلى تجربة واختبار مفاهيم وتقنيات ثورية قد تعيد تشكيل مستقبل الحرب تحت سطح البحر برمتها، ويبدو أن بكين تراهن على الابتكار الجذري في التصميم بدلا من مجرد تقليد التقنيات الغربية، وهو ما قد يمنحها تفوقا استراتيجيا في المحيطات خلال العقود القادمة، ويجعل من الصعب على الخصوم تطوير أنظمة مضادة فعالة لهذه الأجيال الجديدة من الغواصات.