أفاد موقع Defense Arabia أن العقود الأخيرة شهدت تحولا جذريا في طبيعة الحروب، حيث لم تعد المواجهات العسكرية تعتمد فقط على القوة النارية والعدد البشري، بل أصبحت التكنولوجيا الفائقة هي المحرك الأساسي للعمليات القتالية.
وبرزت قضية إدارة الطاقة كأحد أهم عناصر التفوق العسكري، إذ إن الجندي المعاصر لم يعد مجرد مقاتل يحمل سلاحا، بل أصبح منصة متكاملة من الأجهزة الإلكترونية التي تشمل أنظمة الاتصالات وأجهزة الرؤية الليلية وأجهزة الاستشعار والأسلحة الذكية والطائرات غير المأهولة الصغيرة.
إن هذه المنظومات تحتاج إلى مصادر طاقة مستمرة وموثوقة، مما دفع الجيش الأميركي إلى الاستثمار في تطوير أنظمة طاقة قابلة للارتداء مثل مولد الطاقة المحمول للجنود SWPG 2.0.
تقليل الأعباء اللوجستية يعزز المرونة القتالية في الميدان
وكشف الموقع عن أن نظام SWPG 2.0 الجديد يزن أقل من كيلو ونصف ويمكن وضعه داخل حقيبة الظهر، ويعتمد على خليط من الميثانول والماء لتوفير شحن مستمر للأجهزة أثناء الحركة، مما يقلل من مشاكل إعادة الإمداد اللوجستي ويتيح للجنود العمل لعدة أيام متواصلة.
ووفقا لتقارير مركز C5ISR، وهو الذراع البحثية والتطويرية التابعة للجيش الأميركي والمتخصصة في دمج التكنولوجيا المتقدمة مع العمليات العسكرية، فإن هذا الابتكار يمكن أن يوفر للجندي ما يعادل تسع كيلوجرامات تقريبا من وزن البطاريات التقليدية، مما يقلل الضغط البدني ويزيد القدرة على المناورة في ساحات القتال.
وتعكس هذه الأرقام حجم التحدي الذي يواجه الجنود في المهام الطويلة، حيث تشير الدراسات إلى أن الجندي في مهمة مدتها 72 ساعة قد يحمل ما بين عشرة إلى عشرين كيلوجراما من البطاريات، أي ما يمثل نحو عشرين في المئة من وزن حقيبته الكلي الذي يتجاوز ستين كيلوجراما.
وقالت بيث فيري، مديرة مركز C5ISR، إن جهود المركز تمثل عاملا مضاعفا للقوة في تطوير حلول الطاقة التكتيكية للجيش، فهي توفر صورة شاملة للتحديات التقنية مثل الطلب على الطاقة والتكامل، وتمكن الخبراء في مجال العلوم والتكنولوجيا من تبادل وفهم ملاحظات الجنود وتفضيلاتهم وتحدياتهم، مما يسرع من تحويل الأبحاث إلى حلول متقدمة.
الطاقة الذكية ومتطلبات الحرب الحديثة (مصدر الصورة: Defense Arabia)
الطاقة الذكية تدعم متطلبات الحرب الشبكية الحديثة
ونوه الموقع إلى أن الخبراء في مركز C5ISR عملوا مع الصناعة لتحسين أداء النماذج الأولية، مع التركيز على تقليل الوزن والحجم ومستوى الضوضاء، بناء على ملاحظات الجنود خلال الاختبارات الميدانية، ففي البداية ركز البحث على دمج المولدات مع البطاريات القابلة للارتداء المرنة التي يضعها الجنود على صدورهم لتغذية أجهزة الاتصالات والرؤية الليلية والأسلحة.
ومع توسع نطاق البحث، أصبح الاهتمام منصبا أيضا على شحن أنظمة الطائرات غير المأهولة، التي باتت عنصرا أساسيا في الحروب الحديثة، وحسب كلام بيث فيري، من المقرر أن تستمر هذه الاختبارات بالتعاون مع إحدى الفرق المحمولة جوا لتكون أول من يستعرض هذه القدرة الجديدة.
وتؤكد جهود المركز أنها تمثل نقلة نوعية في مفهوم إدارة الطاقة العسكرية، حيث لم يعد الأمر مجرد توفير بطاريات إضافية، بل تطوير أنظمة ذكية وخفيفة الوزن تواكب متطلبات الحرب الحديثة، فهذه الابتكارات تؤكد أن الطاقة أصبحت سلاحا استراتيجيا بحد ذاته، وأن مستقبل العمليات العسكرية يعتمد على قدرة الجنود على الوصول إلى مصادر طاقة موثوقة ومرنة في أي وقت ومكان، فالقدرة على تشغيل الأجهزة المتقدمة في أي مكان وزمان تمنح ميزة استراتيجية واضحة، وتقلل من الحاجة إلى خطوط إمداد مكشوفة يمكن استهدافها بسهولة.
الطاقة الذكية ثورة حقيقية تجعل الجندي محور التفوق في ساحات القتال
وأوضح الموقع أنه في الماضي، كان توليد الطاقة يعتمد على مولدات ديزل صاخبة توضع بعيدا عن الخطوط الأمامية لتجنب كشف مواقع الجنود، لكن مع ظهور معدات متقدمة يجب أن يحملها الجنود معهم، أصبح من الضروري توفير الطاقة في الخطوط الأمامية نفسها، وهو ما يتطلب تقنيات جديدة لتوليد الطاقة المحمولة والهادئة التي لا تكشف مواقع الجنود.
وإن إدارة الطاقة في ساحات القتال لم تعد مجرد قضية لوجستية، بل أصبحت جزءا من الاستراتيجية العسكرية الشاملة، فالحروب الحديثة تقوم على الدمج بين التكنولوجيا الفائقة والقدرة البشرية، وبين القوة الصلبة والناعمة، وبين الأدوات التقليدية والرقمية، لذلك يمثل تطوير أنظمة الطاقة القابلة للارتداء خطوة نحو بناء جندي المستقبل الذي يجمع بين القوة البدنية والدعم التكنولوجي المستمر.
فالطاقة المحمولة ليست مجرد بطارية أو مولد، بل عنصر في معادلة الردع والسيطرة، حيث تمنح الجندي القدرة على الاستمرار في العمليات لفترات أطول دون انقطاع، مما يعزز قدرته على مواجهة خصوم غير متكافئين في بيئات معقدة.
وإن هذه الابتكارات تفتح الباب أمام تطبيقات جديدة مثل شحن الطائرات غير المأهولة التي أصبحت عنصرا أساسيا في الحروب الحديثة، إذ تشير التقديرات إلى أن الجيش الأميركي يستخدم أكثر من عشرة آلاف طائرة غير مأهولة في مختلف المهام، وهو ما يتطلب حلولا مبتكرة لإدارة الطاقة في ظروف قتالية متنوعة.