كشف موقع Defense Arabia أن البيئة الأمنية الدولية شهدت خلال العقدين الأخيرين تحولا كبيرا في طبيعة الصراعات المسلحة و إدارة القوة العسكرية، وهو ما فرض إعادة النظر في طريقة الإنفاق الدفاعي واتجاهاته الإستراتيجية، لتصبح الحكومات قادرة على إدارة واستثمار مواردها العسكرية بكفاءة عالية، في ظل تعدد المجالات القتالية والتطور المتسارع للتكنولوجيا العسكرية والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي. ويخضع الإنفاق الدفاعي اليوم لعديد من التقييدات والتحديدات التي تفرض قواعدها عليه، وفقا للواقع الجيوسياسي لكل دولة، ووفقا لطبيعة التهديدات والمخاطر في بيئتها الإستراتيجية الخارجية.
ورغم كثرة الدراسات والأطر المفاهيمية والإدارية التي تعالج مسألة الإنفاق الدفاعي عند الحكومات، فإن الفكر الاستراتيجي لا يزال يفتقر إلى إطار يربط بصورة منهجية حجم الإنفاق واتجاهاته بالعائد الاستراتيجي الذي يقدمه، إذ تقوم فكرة إخضاع هذا الإنفاق لإطار نظري مبتكر على فرضية مفاهيمية واضحة، غير أن تطبيقها العملي يستلزم بناء نموذج تحليلي متعدد الأبعاد لما تحمله المسألة من تعقيدات وتفاصيل هائلة.
البيئة الجيوبوليتيكية.. حجر الأساس في تحديد حجم القوة
وذكر الموقع أن تبلور هذا الإطار قد يستغرق سنوات من الدرس والتحليل والمقاربات والتجارب والقياس، لا سيما أن الحكومات تتعرض لضغوط جيوسياسية وتهديدات أمنية مفاجئة قد تضعها في حالة من الغموض وعدم الاستقرار الأمني، فضلا عن تأثرها أحيانا بالدعاية التسويقية حين تقدم المنظومات العسكرية بوصفها حلولا شاملة لجميع التهديدات، أو حين تبالغ الشركات المصنعة في إبراز قدراتها التقنية ونجاحاتها العملياتية.
ويزداد هذا الخطر في غياب تقييم استراتيجي مستقل يربط قرارات الشراء بالعقيدة العسكرية والتهديدات الفعلية، إذ تعتمد معظم الجيوش على اعتبارات سياسية أو تاريخية أو على متطلبات الأفرع العسكرية، بدلا من نموذج استراتيجي متكامل يربط الإنفاق بالتهديدات والبيئة الجيوبوليتيكية والتكنولوجية.
والمطلوب اليوم اعتماد نموذج يوزع الميزانية الدفاعية بما يتناسب مع الحاجات الأمنية في عصر الحروب متعددة المجالات، وأبرز اعتباراته البيئة الجيوبوليتيكية التي تحدد طبيعة القوة المطلوبة انطلاقا من الجوار والحدود والممرات البحرية والموارد الطبيعية والعمق الاستراتيجي، إذ لا يمكن تعميم المعايير ذاتها على كل الدول أو تقليد نماذج دول أخرى ولو كانت في الإقليم نفسه.
مصفوفة التهديدات وفلسفة الردع توجهان قرارات الإنفاق الدفاعي (مصدر الصورة: Defense Arabia)
مصفوفة التهديدات وفلسفة الردع.. ركيزتا بناء القوة
وأكد الموقع أن مصفوفة التهديدات تشكل ركيزة أساسية في توجيه الإنفاق، إذ تصنف التهديدات وفق احتمال وقوعها ومستوى خطورتها وزمن الاستجابة المطلوب واتجاهها البري أو البحري أو الجوي أو الفضائي أو السيبراني، مع إعطاء الأولوية للتهديدات الأكثر احتمالا والأعلى تأثيرا، دون إغفال باقي التهديدات ضمن خطط الطوارئ.
كما تفرض طبيعة الحرب المتوقعة، سواء كانت تقليدية أو هجينة أو حرب استنزاف أو نووية أو مكافحة إرهاب أو حرب بحرية أو سيبرانية، حاجة إلى بناء قوة مختلفة واستعدادات خاصة، إضافة إلى ضرورة توقع الفترة الزمنية للحرب وأمد الصراع، بما يستوجب التركيز على استدامة القوة عبر تجهيز الاحتياطيات والحاجات اللوجستية.
وتبقى فلسفة الردع نقطة جوهرية في هذا السياق، إذ تبنى القدرات العسكرية أساسا لتكريس الردع لا للمبادرة بالاعتداء، فالحرب تندلع حين يفشل الردع ويخطئ صناع القرار في حساباتهم، عبر اتجاهين رئيسيين هما الردع بالعقاب من خلال رد يوقع بالعدو خسائر تفوق مكاسبه، والردع بالمنع الذي يحول دون تحقيقه أي هدف من اعتدائه، بما يضمن قدرة الدولة على تنفيذ الضربة الثانية المؤلمة بعد تلقي الأولى.
العقيدة القتالية والقاعدة الاقتصادية.. توأما بناء القوة المستدامة
ونوه الموقع إلى أن العقيدة القتالية والاستراتيجية العسكرية لا تمثلان مجرد إطارين نظريين لاستخدام القوة، بل تشكلان المرجعية الأساسية التي توجه أولويات الإنفاق الدفاعي واتجاهاته، إذ ترسم العقيدة مبادئ استخدام القوة والمفاهيم العملياتية، بينما تحدد الاستراتيجية كيفية توظيف الموارد الوطنية لتحقيق الأهداف عبر الردع أو الدفاع أو الحسم، وينعكس هيكل ميزانية الدفاع في جوهره على مدى مواءمة العقيدة والاستراتيجية للبيئة الأمنية والتهديدات القائمة، ولا يقاس نجاحها بقيمتها المالية بل بمدى انسجام توزيعها مع هذه المتطلبات، إذ يؤدي أي خلل في التوافق بينهما إلى فجوة استراتيجية تهدر الموارد.
ولا يمكن كذلك بناء قوة عسكرية مستدامة بمعزل عن القدرة الاقتصادية للدولة وقاعدة صناعاتها الدفاعية، إذ تشكل الموارد المالية والإنتاج المحلي القيد الاستراتيجي الذي يحدد سقف الطموحات العسكرية وإمكانات تنفيذها، فالدول ذات الاقتصاد المتين والصناعة الدفاعية المتطورة تملك قدرة أكبر على تأمين احتياجاتها وتقليص الاعتماد على الموردين الخارجيين، خصوصا في أوقات الأزمات والحروب الممتدة، مع ضرورة تخصيص جزء من الإنفاق لتوطين الصناعات الدفاعية وتعزيز الاكتفاء الذاتي.
نماذج عالمية ونحو مقياس جديد للعائد الاستراتيجي
وأضاف الموقع أن عددا من الدول اعتمد نماذج ناجحة في توجيه ميزانياتها الدفاعية، فإسرائيل ركزت على التفوق الجوي مع قدرات هجومية برية وقدرات استخباراتية متقدمة ضمنت لها استجابة فورية طيلة عقود، وإيران بنت ذراعا صاروخية بعيدة المدى وشبكة من الوكلاء الإقليميين سعت من خلالها إلى تثبيت نفوذها، بينما راهنت روسيا على صمود اقتصادها وصبرها الاستراتيجي في حرب الاستنزاف مع أوكرانيا وتطوير قدراتها الصاروخية والمسيرات.
ويقترح هذا التحليل توزيع الميزانية وفق رؤية متكاملة تبني القدرات ككل بدلا من تعزيز كل فرع عسكري منفردا، بما ينسجم مع مفهوم العمليات متعددة المجالات، عبر مفهوم جديد لقياس العائد الاستراتيجي للاستثمار الدفاعي يقوم على أسئلة من قبيل مدى ارتفاع قدرة الردع وتطور الأمن السيبراني وحماية شبكات القيادة والسيطرة وقدرات الاستخبارات، بدلا من الاكتفاء بنسبة مئوية من الناتج المحلي كما هو معتمد في دول الناتو، وهو مسار لا يعكس وعيا استراتيجيا كافيا بطبيعة الصراعات وأشكال الحروب الحديثة.