أفاد موقع Defense Arabia أن نظريات و أساليب الصراع الحديثة اختلفت بشكل كبير عن تلك القديمة، فلم تعد الحروب تقاس بعدد المدافع والدبابات والطائرات فقط، بل بقدرة الأطراف المتصارعة على إنتاج الأفكار، وتطوير الخوارزميات، وإدارة المعلومات، والتحكم بالزمن، وفرض الإيقاع العملياتي على الخصم.
فالسلاح الحاسم في القرن الحادي والعشرين لم يعد بالضرورة شيئا يمكن رؤيته أو تدميره، بل قد يكون فكرة، أو شبكة، أو خوارزمية، أو رواية قادرة على تشكيل الإدراك وتوجيه سلوك الخصم، وقد أصبحت العقول والبيانات والوعي العام أهدافا استراتيجية لا تقل أهمية عن الأرض والقوات والسلاح التقليدي، مما يستدعي إعادة تعريف مفاهيم القوة والسيطرة في العصر الرقمي.
الحرب على الإدراك والتأثير النفسي
وكشف الموقع عن أن مجال الحرب على الإدراك يعتبر أحد أخطر ميادين الصراع المستقبلية، فبدلا من تدمير قوات العدو في الحرب التقليدية، يتم في حرب الإدراك تدمير معنوياته، وثقته بنفسه، وبقيادته، وبالمعلومات والأوامر التي تصله في خضم المعركة، وأحدث مثال على هذا النوع من الحروب هو الحرب الروسية الأوكرانية، فالمعارك هناك لا تقتصر فقط على الدبابات والصواريخ والمسيرات، بل تمتد إلى الفيديوهات والصور المفبركة، وحملات التأثير النفسي، وضخ الروايات المضللة والمتناقضة مع الأحداث.
كما إن معيار التفوق والنصر في هذا المجال يتمثل في جعل العدو غير قادر على التمييز بين الحقيقة والكذب، وبين الواقع والتمنيات، إن هذا النوع من الحرب يستهدف الطبقة الإدراكية للإنسان، حيث يتم استغلال الثغرات النفسية والمعرفية لدى صناع القرار والجمهور على حد سواء، مما يؤدي إلى شل القدرة على اتخاذ القرارات السليمة.
وتكتسب هذه الحرب أهميتها من كونها غير مكلفة مقارنة بالحروب التقليدية، ويمكن شنها دون إعلان رسمي، مما يجعلها سلاحا مثاليا للدول التي تريد تحقيق أهدافها الاستراتيجية دون الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة.
قواعد البيانات.. الهدف الاستراتيجي الأبرز في العصر الرقمي
ونوه الموقع إلى أن الجيوش في الحروب التقليدية كانت تستهدف مقرات القيادة والقواعد اللوجستية واحتياطيات العدو والجسور والمصانع، أما اليوم فالأصول الأهم التي تُستهدف هي قواعد البيانات، وشبكات الكمبيوتر والاتصالات والسحابات الإلكترونية.
ويعود ذلك إلى أن الدولة الحديثة تقوم على مجموعة ضخمة من البيانات، فإذا نجح الخصم في تغيير بيانات معلومات المطارات والمرافئ، والمصارف والدوائر المالية والسجلات العقارية والمنشآت الخطرة والمصانع الهامة، فإن ذلك قد يحقق تأثيرا استراتيجيا من دون إطلاق رصاصة واحدة، وإن تعطيل المعلومات قد يكون أخطر من تدمير البنية المادية نفسها، وفي الحروب الحديثة قد يكون مهاجم قواعد البيانات قادرا على إلحاق تأثير استراتيجي بالعدو أخطر مما يلحقه قائد سرب من القاذفات.
ويتطلب هذا النوع من الصراع قدرات متطورة في مجال الأمن السيبراني والاختراق والتضليل، كما يتطلب من الدول المستهدفة بناء أنظمة حماية متقدمة لبياناتها الحيوية، وإن التهديد لا يقتصر على سرقة البيانات أو تعطيلها، بل يمتد إلى تلويثها وتغييرها بشكل يجعلها غير موثوقة، مما يؤدي إلى انهيار ثقة المؤسسات والمواطنين في قدرة الدولة على إدارة شؤونها الأساسية.
الذكاء الاصطناعي وأساليب الصراع الحديثة
وأوضح الموقع أن أساليب الصراع الحديثة تشمل أيضا منصات الذكاء الاصطناعي، كالطائرات والزوارق المسيرة والروبوتات وشبكات الألغام البحرية المتحركة التي تعمل ذاتيا عن طريق الذكاء الاصطناعي، وقد يتجاوز عددها الآلاف، فهي تتحرك وتضرب ضمن تشكيلات قتالية ذات ديناميكية عالية، تربك وتنهك وسائل دفاع أو هجوم الخصم، وتعمل ضمن مبدأ الكمية تتفوق على النوعية، يضاف إلى ذلك التحكم بالزمن والمهل والتوقيتات الحرجة، فأي فرض إيقاع ونمط مواجهة لا يستطيع فيه العدو تحقيق المهله الزمنية المطلوبة.
كما يشمل الصراع الحديث أسلوب الاعتماد الاستراتيجي، أي جعل دولة ما تعتمد كليا على طرف خارجي في مجالات حيوية كالطاقة وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا، ثم استخدام هذا الاعتماد كورقة ضغط.
وأخيرا أسلوب إعادة تشكيل الخصم، حيث تحولت الأهداف من إنهاء العدو ضمن ما يسمى استراتيجية السحق إلى عملية إعادة تشكيل وضبط لطبيعته وسلوكه الدوليين، فتتم السيطرة على تحالفاته العسكرية وعقيدته الأمنية واقتصاده وعلاقاته الخارجية، بل وحتى بنيته السياسية والأيديولوجية، بما يتناسب مع النظام الإقليمي أو الدولي المطلوب.