كشف موقع Defense Arabia أن مصطلح حرب الاستنزاف ظهر قديما للإشارة إلى استمرار المواجهة العسكرية بمستوى تصعيد أقل بكثير من الحرب الشاملة، وتُطبق استراتيجية الاستنزاف عادة من قبل خصم لم يتمكن من إنهاء الصراع وفرض شروطه كاملة على عدوه، فيعمد هذا الخصم إلى محاولة استنزاف قوة عدوه وفرض حالة تهديد دائم على قواته، بما يجبره على استهلاك مقدرات مادية ومعنوية تستنزف طاقته العسكرية والاقتصادية والأمنية على مدى فترة طويلة من الزمن.
وقد تطور هذا المفهوم في الحروب الحديثة ليستهدف قدرات معادية محددة، كالصواريخ الاعتراضية الموجهة ضد المسيرات والصواريخ الباليستية، وهو ما شوهد بوضوح في الحرب الروسية الأوكرانية والحرب الأميركية الإيرانية الأخيرة.
منظومة الصواريخ الاعتراضية الأمريكية باتريوت (مصدر الصورة: France 24)
الذخائر الاعتراضية تتحول إلى محور رئيسي في معارك الاستنزاف الحديثة
وأفاد الموقع أن مفهوم الاستنزاف في الحروب الحديثة، وخاصة تلك المصنفة عالية الكثافة مثل الحرب الأميركية الإيرانية الأخيرة، قد تحول ليستهدف قدرة معادية محددة، كالصواريخ الاعتراضية الموجهة ضد المسيرات والصواريخ الباليستية.
وقد شوهد هذا النموذج بوضوح في الحرب الروسية الأوكرانية، وظهر بشكل أكثر جلاء في الحرب الأميركية الإيرانية الأخيرة، حيث يكمن الاستنزاف هنا في المصروف الهائل من الذخائر الاعتراضية، لا سيما الاستراتيجية منها، والذي تجاوز كل التوقعات وفاق قدرة الصناعات الدفاعية على التعويض السريع.
وكان الاستنزاف متبادلا بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج من جهة أخرى، حيث تعرضت لردود إيرانية دفعتها إلى صرف كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية.
منظومة THAAD الأمريكية لاعتراض الصواريخ الباليستية في طبقات الجو العليا (مصدر الصورة: Defense Arabia)
الذخائر الاستراتيجية تحت الضغط ونقطة الذروة العسكرية تقترب
وأشار الموقع إلى أن من أبرز الذخائر التي استهلكت بدرجة عالية جدا خلال هذه الحرب صواريخ توماهوك، وقنابل GBU، وصواريخ الاعتراض من طراز THAAD وPatriot، فهذه الحرب كانت في جوهرها عملية استنزاف متبادل للقدرات الاستراتيجية، حيث استهدف كل طرف من خلالها إيصال خصمه إلى ما يعرف بنقطة الذروة، التي تتراجع بعدها قدراته في الميدان بشكل ملحوظ.
لكن في الواقع إن جميع الأطراف وصلت إلى مستوى حرج في احتياطياتها من هذه الذخائر، وهو ما دفع على الأرجح إلى بدء حراك دبلوماسي ومسار تفاوضي للاستفادة باكرا من نتائج المواجهات العسكرية، وتحاشي استمرار قتال كان سيتسبب لإيران بتدمير هائل في بنيتها التحتية الاقتصادية، وللولايات المتحدة وإسرائيل باستنزاف حرج لقدراتهما العسكرية، خاصة في الصواريخ الاعتراضية، بما يضع الموقف العام للقوات الأميركية في المنطقة والعالم في وضع ضعيف وحساس لا يمكن السماح به من وجهة نظر وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي.
وقد أثار ذلك مخاوف محللي الدفاع في مراكز البحوث من أن الجيش الأميركي قد يواجه إفلاسا استراتيجيا مؤقتا في حال اندلع صراع ثانوي بين القوى الكبرى في المحيط الهادئ أو في أي مكان آخر من العالم.
القنبلة الأمريكية الخارقة للتحصينات GBU-57 (مصدر الصورة: Militär Aktuell)
المخزون الاستراتيجي الأميركي بين الاستهلاك المتسارع ومحدودية الإنتاج
أوضح الموقع أنه وفقا لدراسات مراكز الأبحاث الدفاعية الأميركية، وعلى رأسها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، فإنه في سيناريو المواجهة الواسعة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ظهرت معضلة مركزية تتعلق بالمخزون الاستراتيجي الذي ينفد بوتيرة أسرع بكثير من قدرة إعادة الإنتاج.
وعلى صعيد الذخائر الهجومية كصواريخ توماهوك وقنابل GBU، يعتبر صاروخ Tomahawk Cruise Missile أحد أهم أدوات القصف الاستراتيجي الأميركي بعيد المدى، إلا أن قدرته الإنتاجية محدودة تاريخيا، وتشير الأرقام وفقا لتقديرات CSIS إلى أن إجمالي المخزون الأميركي التقديري يتراوح بين 3 آلاف و4 آلاف صاروخ، بينما يبلغ معدل الإنتاج السنوي للشركة المصنعة RTX ما بين 55 و90 صاروخا، وتتراوح كلفة الصاروخ الواحد بين 1.3 و2 مليون دولار، وقد تجاوز عدد صواريخ توماهوك التي أطلقتها أميركا خلال هذه الحرب الألف صاروخ، وهو ما يستغرق نحو عشر سنوات لتعويضه في ظل الوتيرة الصناعية العادية.
أما بالنسبة للقنابل الخارقة للتحصينات مثل GBU-31 JDAM وGBU-57 Massive Ordnance Penetrator، فقد استهلكت كميات كبيرة من النوع الأول، بينما استخدمت 14 قنبلة من طراز GBU-57 على المواقع النووية الإيرانية، ويبقى مخزونها مسألة محاطة بسرية تامة، لكن المعلومات المتداولة تشير إلى أنه لا يتجاوز 100 قنبلة.
استنزاف الدفاعات الجوية الأميركية يكشف نقاط ضعف جديدة
وأضاف الموقع أنه بالنسبة للصواريخ الاعتراضية ومنظومات الدفاع الجوي مثل Patriot وTHAAD، فقد استخدمت منها كميات كبيرة خلال الحرب مع إيران، فبخصوص صواريخ منظومة ثاد، تشير معلومات مسربة من وزارة الدفاع إلى استخدام ما بين 190 و290 صاروخا منها خلال الحرب، وذكرت صحيفة واشنطن بوست أن نحو 200 صاروخ اعتراضي من منظومة ثاد نشرت للدفاع عن إسرائيل ضد الهجمات الإيرانية المضادة.
وقد طلب الجيش الأميركي شراء 857 صاروخا اعتراضيا من هذه المنظومة في السنة المالية 2027، مع توقع وصول الشحنات في منتصف عام 2029، في حين تخطط شركة لوكهيد مارتن لزيادة طاقتها الإنتاجية السنوية إلى 400 صاروخ لتلبية الطلبات الكبيرة من الولايات المتحدة وحلفائها، وتقدر تكلفة كل صاروخ اعتراضي بنحو 15.5 مليون دولار، وتشير التقارير إلى أن فعاليته ضد الأجيال الجديدة من الصواريخ الإيرانية المزودة بمركبات إعادة دخول مناورة أو مركبات انزلاقية فرط صوتية كانت محدودة للغاية.
أما بالنسبة لمنظومات باتريوت، فقد امتلكت الولايات المتحدة قبل الحرب مخزونا يقارب 2500 صاروخ من طرازي PAC-2 وPAC-3، وقدر مركز CSIS إطلاق ما بين 1060 و1430 صاروخا منها خلال الحرب، ويبلغ الإنتاج السنوي لهذه الصواريخ نحو 650 صاروخا، يسلم نصفها للولايات المتحدة والنصف الآخر لعملاء أجانب، وتتراوح تكلفة الصاروخ الواحد بين 3 و4.5 مليون دولار، وقد تعهدت لوكهيد مارتن بزيادة الإنتاج السنوي لهذه الصواريخ إلى 2000 صاروخ.
استنزاف الدفاعات متعددة الطبقات يفرض إعادة ترتيب الأولويات العسكرية
وتابع الموقع أن مخزونات صواريخ الدفاع الباليستية التابعة للبحرية الأميركية قد استنزفت بشكل كبير خلال هذه الحرب، حيث تشير المعلومات إلى أن المخزون قبل الحرب بلغ 400 صاروخ من طراز SM-3 و1250 صاروخا من طراز SM-6، استخدم منها نحو 250 صاروخ SM-3 وما بين 190 و370 صاروخ SM-6، وقدر مركز CSIS أن استعادة هذه المخزونات إلى مستوياتها ما قبل الحرب ستستغرق نحو عامين كاملين.
كما عانت إسرائيل من استنزاف كبير لدفاعاتها الجوية، هدد قدرتها على حماية أصولها العسكرية والاقتصادية ومنشآتها الحساسة، ورغم اعتمادها في هذه الحرب على الدعم والعمق العملياتي الأميركي، فإنها عانت في مرحلتها الأخيرة من شح كبير في قدرات الدفاع الجوي، إلى درجة فرضت عليها إعادة تقييم أولويات حماية أصولها العسكرية والاقتصادية المهمة، مما خلق ثغرات عديدة في حماية مناطق مدنية ومنشآت حساسة عديدة.
واعتمدت إسرائيل في منظومتها الدفاعية على منظومتي Arrow وDavid's Sling، وفي مراحل محددة على منظومة Patriot، إضافة إلى دعم منظومات THAAD الأميركية التي استحضرت إلى إسرائيل لتعزيز دفاعها الجوي متعدد الطبقات، ولا تملك إسرائيل مخزونا استراتيجيا كافيا لحرب استنزاف طويلة، وتبقى معتمدة على التدفق الأميركي المستمر للذخائر.
كما كشفت الحرب عن ثغرات في الدفاع الجوي لدى دول الخليج أمام الهجمات الكثيفة بالصواريخ والطائرات المسيرة، إذ لم يكن التحدي الرئيسي في كفاءة الأنظمة الدفاعية بقدر ما كان في قدرة المخزونات على تحمل استنزاف مستمر، ووفق تقديرات مركز CSIS، استهلك خلال العمليات ما لا يقل عن 1060 صاروخ اعتراض من منظومة باتريوت و190 صاروخا من منظومة ثاد، أي ما يعادل نحو 43% و53% من المخزونات المتاحة قبل الحرب على التوالي.
خلاصة الحرب ودروسها الاستراتيجية في إدامة القدرات العسكرية
اختتم الموقع أن هذه الحرب عالية الكثافة أبرزت معضلة أمنية واقتصادية كبرى تتمثل في إدامة القدرات العسكرية خلال مواجهات قد تحمل مفاجآت غير متوقعة، وهو ما يفرض إعادة النظر في طبيعة التخطيط للحملات والحروب الشاملة، وإعادة تعريف العلاقة بين الأهداف العسكرية والتأثير الميداني من جهة، والأهداف السياسية والحالة النهائية المرجوة من جهة أخرى.
كما لا ينبغي أن تقتصر خطط الطوارئ على التعديلات والإجراءات الميدانية فقط، بل يجب أن تأخذ في الحسبان احتمال إطالة أمد الحرب واستراتيجيات الاستنزاف التي قد يعتمدها الخصم.
وخلص الموقع إلى أن هذه الحرب كانت درسا تمثل في تغيير جذري لمفهوم الدفاع الجوي في الحرب الحديثة، فالدفاع الجوي لم يعد مجرد معركة بين الصاروخ ووسائل الاعتراض فقط، بل أصبح مواجهة دخلت فيها احتياطيات المخازن وقدرات التصنيع لدى شركات الأمن والدفاع بقوة، فعندما تتحول السماء إلى ساحة استنزاف يومي، تصبح القدرة على التعويض وإنتاج الذخائر الاعتراضية عاملا حاسما لا يقل أهمية عن كفاءة الرادارات ودقة منظومات الاعتراض.