حرير النحل ... مادة حيوية جديدة قد تنافس البلاستيك والفولاذ في المستقبل

حرير النحل مادة حيوية واعدة تجمع بين القوة والمرونة ( مصدر الصورة: Unsplash ) حرير النحل مادة حيوية واعدة تجمع بين القوة والمرونة ( مصدر الصورة: Unsplash )

يرى علماء أن حرير النحل قد يمثل جيلا جديدا من المواد الحيوية المتقدمة، بفضل خصائصه التي تجمع بين القوة والمرونة وقابليته للتحلل الحيوي، وهي صفات قد تجعله بديلا واعدا للبلاستيك في العديد من التطبيقات الصناعية والطبية.

ويأتي هذا الاهتمام في وقت تتزايد فيه الجهود العالمية للبحث عن مواد مستدامة وخفيفة الوزن وقوية، في ظل التلوث المتنامي الناتج عن البلاستيك.

حرير النحل ( مصدر الصورة: Unsplash )

ليس حرير العناكب وحده

خلال السنوات الأخيرة، ركزت معظم الأبحاث على حرير العناكب لما يتمتع به من قوة استثنائية، إلا أن الباحثين يؤكدون أن الطبيعة تخفي بدائل أخرى لا تقل أهمية، من بينها حرير النحل.

وأوضح أوران واسرمان، عالم الأحياء الجزيئية الذي أجرى أبحاث الدكتوراه في مختبر حرير العناكب بجامعة ولاية يوتا، أن إنتاج الحرير أكثر انتشارا في الطبيعة مما يعتقده معظم الناس.

وأشار إلى أن القدرة على إنتاج الحرير تطورت بشكل مستقل مرات عديدة عبر التاريخ التطوري، مع وجود ما لا يقل عن 23 اصلا تطوريا مختلفا لهذه الخاصية بين الحشرات وحدها، بما في ذلك النمل والنحل والدبابير.

أول فيلم مصنوع من حرير النحل

نجح واسرمان وفريقه البحثي مطلع هذا العام في إنتاج أول غشاء رقيق (Film) مصنوع من نوع محدد من حرير النحل، وهو إنجاز يمثل خطوة أساسية نحو الاستفادة من هذا المادة الحيوية في التطبيقات العملية.

وتستخدم الحشرات الحرير في أغراض متعددة، مثل بناء الشباك والأعشاش وصناعة الشرانق.

أما بالنسبة للنحل، فإن الوظيفة الأساسية للحرير هي الحماية.

ثلاثة أرباع أنواع النحل تنتج الحرير

أوضح الباحثون أن النحل الاجتماعي، مثل نحل العسل والنحل الطنان، يستخدم الحرير لتبطين خلايا الحضنة داخل المستعمرة.

في المقابل، تقوم أنواع النحل المنفرد، التي تمثل نحو 75% من جميع أنواع النحل، بغزل الحرير لصناعة شرانق تحمي اليرقات من الظروف البيئية القاسية.

ولذلك فإن إنتاج الحرير يعد سمة شائعة لدى النحل أكثر مما يعتقد الكثيرون.

شرانق صغيرة بقدرات استثنائية

ركزت الدراسة على نحلة البساتين الزرقاء (Osmia lignaria)، وهي من أنواع النحل المنفرد وتُعد من أهم الملقحات الطبيعية لأشجار الفاكهة.

وتبني هذه النحلة شرانق صغيرة بنية اللون ذات شكل ممدود وطرف يشبه الحلمة.

ورغم مظهرها البسيط، فإن هذه الشرانق تتمتع بمتانة كبيرة.

وعلى خلاف دودة القز، التي تنسج شرنقتها من خيط حريري واحد متصل، تبني يرقة النحل شرنقتها بطريقة هندسية أكثر تعقيدا.

فهي تثبت الخيط الحريري في جدار العش، ثم تمده بواسطة حركات الرأس، وتعيد تثبيته في نقطة أخرى، وتكرر العملية حتى تكتمل الشرنقة بالكامل.

تصميم يوفر الحماية والتهوية

تتكون الشرنقة من عدد قليل من الطبقات، لكنها تعمل معًا لتحقيق عدة وظائف في الوقت نفسه، تشمل:

- السماح بتبادل الغازات.

- توفير الحماية الميكانيكية.

- الاحتفاظ بالرطوبة.

- مقاومة الطفيليات.

ويُعد العامل الأخير بالغ الأهمية، لأن شرانق النحل المنفرد تتعرض باستمرار لهجمات الدبابير الطفيلية، التي تستطيع تحديد مواقع الشرانق عبر الإشارات الكيميائية، ثم تثقبها بواسطة آلة وضع البيض لإيداع بيضها داخل اليرقة النامية.

ولهذا السبب تمثل الشرنقة خط الدفاع الأساسي لليرقة.

مادة قوية ومرنة ومضادة للميكروبات

إلى جانب مقاومتها العالية للثقب، يتميز حرير النحل بخصائص أخرى، منها:

- المرونة.

- مقاومة الميكروبات.

- السماح بمرور الهواء.

ويرى الباحثون أن هذه الخصائص تجعل المادة مرشحا واعدا لاستخدامها في:

- الخيوط الجراحية.

- الهياكل الداعمة لهندسة الأنسجة.

- المنسوجات الطبية المتقدمة.

- المواد التقنية عالية الأداء.

تطوير طريقة جديدة لاستخلاص الحرير

واجه العلماء صعوبة في استخراج ألياف الحرير من الشرانق المكتملة، إذ كانت العملية تستغرق وقتا طويلا وتتسبب في تلف عدد كبير من الخيوط.

ولحل هذه المشكلة، طور الفريق طريقة جديدة تعتمد على استخلاص الألياف مباشرة من فم اليرقة أثناء بدء عملية الغزل.

واستخدم الباحثون نظاما مطبوعا بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد يحاكي التجويف الطبيعي الذي تنمو فيه اليرقات.

وكان الفريق يراقب اليرقات يوميا، ويتدخل في اللحظة التي تبدأ فيها بغزل أولى الخيوط، قبل أن تصبح الألياف بعيدة عن متناول الباحثين.

وبعد ذلك تُعزل الألياف وتُجهز لإجراء الاختبارات الميكانيكية عليها.

وأكد الباحثون أن اليرقات تواصل بناء شرانقها بصورة طبيعية بعد استخراج جزء من الألياف، ما يدل على أن الطريقة طفيفة التدخل ولا تسبب ضررا يُذكر.

إنتاج حرير النحل داخل المختبر

بعد عزل الألياف، تمكن العلماء من تصنيع بروتينات حرير النحل باستخدام تقنيات الأحياء الجزيئية.

واعتمد الفريق على إدخال الجينات المسؤولة عن إنتاج الحرير داخل كائنات دقيقة معدلة وراثيا لتصنيع البروتينات في المختبر.

وبعد تنقية هذه البروتينات، المعروفة باسم الفيبروين (Fibroin)، نجح الباحثون في تحويلها إلى أغشية شفافة مستقلة.

ويُعد ذلك أول إنتاج مخبري لبروتين حرير نحل منفرد وتحويله إلى مادة صلبة قابلة للدراسة.

ورغم أن المادة ليست جاهزة بعد للاستخدام التجاري، فإنها تفتح الباب أمام دراسة أنواع أخرى من حرير النحل.

إمكانية دمج حرير النحل مع مواد أخرى

يشير الباحثون إلى أن حرير نحل العسل يتميز بمرونة أكبر من حرير نحلة البساتين الزرقاء، ومن الممكن مستقبلاً إنتاجه بالطريقة نفسها أو حتى دمجه مع مواد أخرى للحصول على خصائص جديدة.

ويعمل الفريق حاليا على دمج حرير النحل مع مادة غير مألوفة هي مخاط سمكة الهاجفيش (Hagfish).

مخاط سمكة الهاجفيش يعزز خصائص المادة

تُعد سمكة الهاجفيش من أقدم الأسماك البحرية عديمة الفكوك، وتعيش في أعماق البحار.

وعند تعرضها للخطر، تفرز مادة مخاطية كثيفة تتمدد بسرعة في مياه البحر وتسد خياشيم الكائنات المفترسة.

ويتكون هذا المخاط من مزيج من المواد المخاطية وخيوط بروتينية دقيقة، وعند شد هذه الخيوط وتجفيفها تصبح خصائصها الميكانيكية قريبة من خصائص حرير العناكب.

ولأن بروتينات حرير النحل ومخاط الهاجفيش تتشابه في بنيتها الأساسية، يعتقد الباحثون أنه يمكن دمجهما لإنتاج مواد تجمع أفضل الخصائص الميكانيكية لكل منهما.

آفاق واسعة للمواد الحيوية المستقبلية

أكد واسرمان أن الحرير استُخدم في العديد من المجالات منذ آلاف السنين، لكن معظم الدراسات ركزت على دودة القز والعناكب فقط.

وأضاف أن أنواعا كثيرة من الحشرات تنتج أنواعا مختلفة من الحرير تختلف في تركيبها الكيميائي وخصائصها الميكانيكية، إلا أن الكثير منها لا يزال غير مدروس بالشكل الكافي.

ويرى الباحث أن التقدم المستمر في هذا المجال سيكشف خلال السنوات المقبلة عن خصائص جديدة قد تفتح الباب أمام تطوير مواد حيوية مبتكرة للاستخدامات الطبية والصناعية والبيئية.