ذكر موقع Defense Arabia أن من أخطر الأخطاء في التقدير العسكري والسياسي الركون إلى فكرة أن التفوق النوعي، بما يشمله من تفوق تقني واستخباري وجوي وناري، قادر بذاته على حسم الصراعات أو فرض الإرادة السياسية، فالتاريخ الحديث، ولا سيما في ساحات غزة وجنوب لبنان وإيران.
فيثبت أن امتلاك أدوات القوة المتقدمة لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وأن الفجوة بين النجاح التكتيكي والنتيجة السياسية قد تكون واسعة وحاسمة، بما يستدعي إعادة النظر في المعايير التقليدية لتقدير الموقف العسكري والسياسي على حد سواء، بعيدا عن الانبهار بالتفوق التقني وحده.
ويستعرض الموقع، عبر ملفات غزة وجنوب لبنان وإيران، كيف تتسع هذه الفجوة بين القدرة العسكرية والحسم السياسي كلما تعقّدت طبيعة الخصم وبيئة المواجهة.
غزة وجنوب لبنان.. حين لا يكفي التفوق الناري لإنهاء المعادلة
وأفاد الموقع أن معادلة الصراع في غزة مع حركة حماس لا تنحصر في ميزان السلاح التقليدي أو في قدرة أي طرف على استهداف البنية العسكرية للطرف الآخر، فغزة بيئة قتال معقدة، ذات كثافة سكانية عالية، وتضاريس عمرانية متشابكة، وواقع اجتماعي وسياسي يجعل من استنزاف التنظيم أو إنهائه مهمة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.
فقد يمنح التفوق النوعي قدرة كبيرة على الرصد والضرب والمناورة، لكنه لا يجيب تلقائيا عن سؤال: ماذا بعد؟ إذ إن السيطرة الميدانية المؤقتة لا تعني بالضرورة إنتاج واقع سياسي مستقر، كما أن إضعاف البنية التنظيمية لا يمنع إعادة تشكلها إذا بقيت أسبابها السياسية والاجتماعية قائمة.
أما في جنوب لبنان، تبدو المعادلة أكثر تعقيدا مع حزب الله، بسبب خبرته التراكمية في القتال غير المتكافئ، وحضوره ضمن بيئة محلية وإقليمية أوسع، إذ لا تكمن القضية في حجم القوة النارية أو سرعة الاستجابة فحسب، بل في قدرة أي طرف على تحمّل كلفة التصعيد الطويل وتداعياته على الجبهة الداخلية والاقتصاد والعلاقات الدولية.
وقد يمنح التفوق النوعي قدرة ردع مهمة في هذه الحالة، غير أنه يصبح أقل فاعلية أمام خصم لا يقيس نجاحه بالسيطرة على الأرض فقط، بل بقدرته على البقاء وامتصاص الضربات، وإبقاء الصراع مفتوحا ضمن حدود محسوبة.
إيران والتخندق العميق يغيران معادلات المواجهة
وبين الموقع أن إيران تضيف بعدا مختلفا إلى هذا التقدير، يتمثل في مفهوم التخندق العميق، فالقوة الإيرانية لا تُختزل في منشآت أو قدرات ظاهرة يمكن التعامل معها بمنطق الضربة المحدودة، بل تتصل بامتداد جغرافي واسع، وبنية دولة راسخة، وشبكات نفوذ متشعبة، وقدرة على توزيع المخاطر والردود بين أكثر من ساحة في الوقت نفسه.
فلذلك إن التعامل مع إيران بمنطق الحسم السريع ينطوي على مخاطرة كبيرة، ذلك أن أي تقدير لا يحسب احتمالات التوسع الإقليمي، وتعدد ساحات الرد المحتملة، والآثار الاقتصادية والسياسية العالمية المترتبة على أي مواجهة مباشرة، يبقى تقديرا ناقصا مهما بدا واثقا في أدواته التقنية ومعطياته الاستخبارية الدقيقة.
فالتخندق العميق الذي تعتمده طهران يجعل من الصعب حصر مصادر قوتها في نقاط محددة يمكن ضربها والانتهاء من الملف برمته، ذلك أن أي تصعيد محتمل قد يمتد إلى ساحات إقليمية متعددة، بما يفرض على أي طرف مهاجم حساب الكلفة الشاملة قبل الإقدام على أي خطوة عسكرية حاسمة تجاه الداخل الإيراني.
الاستراتيجية تتقدم على التكنولوجيا في حسم الصراعات
ورأى الموقع أن الدرس المركزي في هذا السياق هو أن القوة النوعية عنصر مهم، لكنها ليست بديلا عن الاستراتيجية، فالاستراتيجية الرشيدة تبدأ بتحديد هدف سياسي واقعي، ثم تقيس مدى قابلية الوسائل العسكرية لتحقيقه، وتضع في الحسبان رد فعل الخصم، وكلفة الزمن، وقدرة المجتمع على الاحتمال، وموقف الحلفاء والبيئة الدولية المحيطة بأي مواجهة.
وإن أسوأ تقدير للموقف هو افتراض أن التفوق العسكري يلغي تعقيد الخصم أو يختصر إرادته، ففي غزة وجنوب لبنان وإيران تتجلى حقيقة ثابتة مفادها أن التكنولوجيا قد تمنح أفضلية مؤقتة في الميدان، لكنها لا تمنح وحدها نصر سياسي دائم أو حسم نهائي للصراع.
ومن هنا تبقى قراءة الموقف العسكري بمعزل عن السياق السياسي والاجتماعي قراءة منقوصة، مهما بلغت دقة الأدوات التقنية المستخدمة فيها.