أفاد موقع Defense Arabia أن السنوات الأخيرة شهدت تحولا عميقا في مفهوم مواجهة التهديدات المعادية الحديثة، لا سيما مع الانتشار الواسع للصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة والذخائر الذكية التي تعتمد على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية مثل GPS لضرب أهدافها بدقة عالية.
وفي ظل هذه البيئة، باتت الجيوش تواجه معضلة كلفة الدفاع ضد هذه التهديدات، وهي كلفة تجاوزت التوقعات، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط خلال الحرب الأخيرة مع إيران، ما دفع نحو البحث عن وسائل وقدرات جديدة تقلل الكلفة وتزيد الفعالية وتؤمن الاستدامة طيلة فترة المواجهات الممتدة.
وبحسب الموقع برز مشروع أميركي متقدم يحمل اسم Hammer of the Gods، وهو مفهوم في مجال الحرب الإلكترونية يهدف إلى بناء قدرة واسعة النطاق للتأثير على أنظمة الملاحة ودقة التوقيتات وسلامة الاتصالات المعادية.
حرمان العدو من القيادة والسيطرة
وأشار الموقع إلى أن الفكرة الأساسية وراء هذا المفهوم تقوم على مبدأ مختلف تماما عن السياق التقليدي للدفاع الجوي، إذ تتمثل في حرمان العدو من القيادة والسيطرة على أي آلة أو جسم هجومي قبل وصوله إلى هدفه، بما يضمن الحماية ويفشل محاولاته.
وارتبط تطوير هذه الأفكار بمعضلة عملياتية لاحظها الجيش الأميركي، بعد أن أظهرت النزاعات الأخيرة أن الخصوم باتوا يعتمدون بشكل متزايد على أنظمة رخيصة نسبيا كالطائرات المسيرة التجارية والعسكرية والصواريخ بعيدة المدى والذخائر الموجهة، في حين تعتمد الجيوش المتقدمة على شبكات معقدة من الأقمار الصناعية وأجهزة الاستشعار ومراكز القيادة والسيطرة، وهو ما أنتج ما يعرف بمفارقة الاعتماد الإلكتروني، والقائلة إن القوة العسكرية كلما ازدادت ذكاء وتواصلا، ازدادت حاجتها إلى حماية المجال الكهرومغناطيسي الذي تعمل ضمنه.
وقد ظهر مفهوم Hammer of the Gods ضمن بيئة التجارب العسكرية الأميركية المرتبطة بمشاريع مثل "Project Convergence"، وهي سلسلة اختبارات تهدف إلى دمج الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار وشبكات القيادة والسيطرة في منظومة واحدة قادرة على اتخاذ القرار بسرعة تفوق سرعة الخصم وقدرته.
ومن هذا المنطلق، تطور التفكير الأميركي باتجاه بناء منظومات قادرة على خوض معركة السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي، بحيث تصبح الحرب الإلكترونية جزءا أساسيا من العمليات المشتركة إلى جانب القوات البرية والجوية والبحرية والفضائية، بما يسمح للقوات الأميركية وحلفائها بالهيمنة على البيئة الإلكترونية للمواجهة قبل انطلاق العمليات العسكرية وأثناءها.
الحرب الحديثة من صراع المنصات إلى صراع الأنظمة (مصدر الصورة: Defense Arabia)
الحرب الحديثة تنتقل من صراع المنصات إلى صراع الأنظمة
ولفت الموقع إلى أن هذا المفهوم يختلف عن الحرب الإلكترونية التقليدية التي كانت تركز على مهام محددة كالتشويش على رادارات العدو وتعطيل اتصالاته وإرباك أنظمة قيادته وسيطرته، إذ يسعى الجيل الجديد إلى بناء قدرة شبكية موزعة قادرة على التعامل مع عدد كبير من التهديدات في وقت واحد، عبر نشر عقد إلكترونية صغيرة ومترابطة بدلا من محطة تشويش واحدة كبيرة وسهلة الاستهداف، بما يمنح القوات قدرة أكبر على البقاء في بيئة معادية وتقليل فرص اكتشافها والاستجابة السريعة للهجمات.
وتكمن أهمية هذا المفهوم في أنه يعكس انتقال الحرب الحديثة من صراع بين المنصات إلى صراع بين الأنظمة، حيث يعتمد التفوق على رؤية ساحة المعركة بشكل أسرع، وفهم ما يجري بدقة أكبر، واتخاذ القرار قبل الخصم، وحرمانه من القدرة على استخدام معلوماته، بحيث لا تهدف هذه المنظومات إلى تعطيل سلاح معين فحسب، بل إلى ضرب الحلقة التي تربط عناصر القوة العسكرية ببعضها البعض، وتحقيق النصر عبر التحكم بالمعلومات والطيف الكهرومغناطيسي لا عبر تدمير الأهداف المادية وحدها، ومن هذا المنطلق، يمثل مفهوم Hammer of the Gods نموذجا لاتجاه استراتيجي جديد في إدارة المواجهات العسكرية الحديثة.
Counter-PNT.. سلاح إلكتروني يحرم الصواريخ من الملاحة
وأوضح الموقع أن المنظومة تعتمد على مبدأ "Counter-PNT"، أي مواجهة أنظمة التموضع والملاحة والتوقيت، وذلك عبر مرحلتين أساسيتين: الأولى مرحلة الاكتشاف وتحليل البيئة الكهرومغناطيسية المحيطة بالقوات لتحديد طبيعة الإشارات ومصدرها وأهميتها، والثانية مرحلة التأثير الإلكتروني التي تشمل التشويش عبر إضعاف الإشارة المعادية وتشتيتها، والتضليل الإلكتروني عبر إرسال معلومات مضللة تجعل النظام المعادي يعتقد أنه في موقع مختلف، إضافة إلى أسلوب الهجوم الشبكي متعدد الطبقات الذي يستهدف كافة روابط القيادة والسيطرة لدى العدو في آن واحد.
ويركز النظام أساسا على الصواريخ والمسيرات كونها تشكل تحديا كبيرا لأنظمة الدفاع الجوي من حيث الفعالية والكلفة معا، إذ باتت هذه الكلفة ترهق اقتصادات الدول وتستنزف قدراتها العسكرية.
ويستمد النظام قوته من قدرته على التأثير في بيئة عمليات واسعة وممتدة، إضافة إلى دمجه مع قدرات الذكاء الاصطناعي التي تتيح له العمل بسرعة تفوق قدرة الإنسان على التحليل، وقد جرى اختبار نماذج منه لصالح القوات البرية والبحرية، وهو ما يفتح الباب أمام مفهوم جديد في الدفاع يعرف بـ"الدفاع غير الحركي"، فيما لا تزال هوية المتعهد الصناعي الرئيسي غير معلنة رسميا، رغم توقع مشاركة شركات مثل Lockheed Martin وL3Harris وRTX Corporation وNorthrop Grumman في تطويره.