تقنيات عسكرية فائقة أعادت رسم ملامح الحروب الحديثة

سبع تقنيات فائقة تحسم نتيجة الحروب قبل إطلاق أول رصاصة (مصدر الصورة: Defense Arabia) سبع تقنيات فائقة تحسم نتيجة الحروب قبل إطلاق أول رصاصة (مصدر الصورة: Defense Arabia)

ذكر موقع Defense Arabia أن الحروب المعاصرة لم تعد تحسم وفق المعادلة التقليدية القائمة على عدد الجنود وحجم الترسانة فحسب، بل باتت تدار بواسطة منظومات متكاملة تعمل معا بسرعة ودقة تفوقان قدرة الإنسان، بحيث يصبح الطرف الذي يفهم الموقف أسرع هو الفائز، لا بالضرورة الطرف الذي يبادر بإطلاق النار أولا. 

فالتقنيات الفائقة تتشابك اليوم لتعيد تعريف مفهوم القوة العسكرية بالكامل، إذ تحول هذا المفهوم من التفوق العددي إلى التفوق التقني، وأصبحت السيطرة على المعلومات والاتصالات عاملا حاسما في أي صراع معاصر، وهو ما يفسر تركيز الجيوش الكبرى على سبع تقنيات رئيسية أعادت، وستظل تعيد، صياغة قواعد المواجهات العسكرية في العالم.

الذكاء الاصطناعي... العقل الذي يحسم المعركة قبل بدايتها

وأفاد الموقع أن الذكاء الاصطناعي تحول من أداة مساندة إلى العصب المركزي لصناعة القرار العسكري، إذ يختصر تحليلا كان يستغرق ساعات من الجهد البشري إلى ثوان معدودة، مانحا صاحبه القدرة على الوصول إلى القرار الصحيح قبل أن يبدأ الخصم حتى في التفكير. 

ولم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي في الحروب حديثا نظريا، بل واقعا مختبرا ميدانيا منذ سنوات، فالحرب الروسية الأوكرانية تعد، بحسب الخبراء، أول صراع عسكري يشهد بوضوح استخدام الذكاء الاصطناعي مباشرة في ميدان المعركة، حيث تبارى الطرفان في توظيف التقنية لأغراض الاستطلاع والتوجيه والتحليل.

ثم تسارعت وتيرة هذا التوظيف في الصراعات اللاحقة لتصل إلى ذروتها في حرب غزة، حيث استعانت إسرائيل بمزيج غير مسبوق من أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف وتوجيه الضربات ومراقبة السكان.

فيما اعتمدت الولايات المتحدة مؤخرا، في عملياتها المرتبطة بإيران، على الذكاء الاصطناعي في مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع لدعم إدارة المعارك وقرارات تحديد الأهداف. 

ويتجلى دور هذه التقنية في أبعاد متكاملة تشمل تصنيف الأهداف عبر تحليل ضخم للبيانات، ودعم الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع بمعالجة كميات هائلة من الإشارات، إضافة إلى مساندة القرار الميداني عبر منظومات تحليل فائقة السرعة، فضلا عن دور متنام في حرب المعلومات، إذ تشير تقارير حديثة إلى أن ما بين 20 و25% من المواد التي تم التحقق منها في أحد النزاعات الأخيرة كانت محتوى مولدا بالذكاء الاصطناعي.

طائرة الاستطلاع التكتيكية بدون طيار أمريكية الصنع MQ-31A (مصدر الصورة: militarnyi.com‏)

من الاستطلاع الفردي إلى أسراب تخنق الدفاعات الجوية

وكشف الموقع أن الطائرات بدون طيار لم تعد مجرد أدوات استطلاع فردية، بل تحولت إلى عنصر أساسي في العمليات القتالية الحديثة، خاصة حين تعمل ضمن أسراب منسقة قادرة على تقسيم المهام فيما بينها تلقائيا، إذ تتولى بعضها الرصد، وبعضها الاستهداف، وبعضها التنفيذ، مما يرفع من فعاليتها القتالية بشكل كبير مقارنة بالطائرات الفردية التقليدية. 

ويجعل هذا النمط من الذكاء الجماعي مهمة أنظمة الدفاع التقليدية أكثر تعقيدا، لأنها تشتت جهود الاعتراض بين أهداف متعددة تتحرك في آن واحد، بحيث يصبح إسقاط طائرة واحدة انتصارا شكليا لا يغير شيئا من مسار الهجوم ككل، وهو ما يفرض على الجيوش تطوير منظومات دفاعية جماعية قادرة على رصد الأسراب وتفكيكها دفعة واحدة بدلا من ملاحقة كل طائرة على حدة. 

وتؤكد التجارب الميدانية الأخيرة أن كلفة الأسراب المنخفضة نسبيا، مقارنة بمنظومات الدفاع الجوي المكلفة الموجهة لاعتراضها، تخلق اختلالا اقتصاديا واضحا لصالح المهاجم، إذ قد تستنزف طائرة صغيرة الثمن صاروخا اعتراضيا يفوق سعرها بأضعاف مضاعفة، وهو عامل يعيد النظر في جدوى استراتيجيات الدفاع الجوي التقليدية على المدى الطويل.

صواريخ سريعة تتحدى الرادارات وحرب إلكترونية صيب الجيوش بالعمى

وبين الموقع أن الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت بأضعاف مضاعفة تمثل تحديا حقيقيا لأنظمة الدفاع الجوي حول العالم، فسرعتها الهائلة، مقترنة بقدرتها على المناورة أثناء الطيران، تجعل تتبعها واعتراضها في الوقت المناسب أمرا بالغ الصعوبة، حتى بالنسبة لأكثر أنظمة الرادار والدفاع تطورا، وهو ما يجبر الدول على إعادة التفكير في بنية دفاعاتها الجوية من الصفر بدلا من الاكتفاء بالتحديث التدريجي. 

وإلى جانب هذا التهديد المرئي، تبرز الحرب الإلكترونية كأحد أخطر أبعاد المعارك الحديثة غير المنظورة، إذ يمكن لتشويش الإشارات اللاسلكية وقطع الاتصالات أن يصيب جيشا بالغ التطور بحالة من العمى التام، حتى لو كان يمتلك أحدث الأسلحة والمعدات، فبدون القدرة على التواصل وتبادل البيانات بين الوحدات تفقد الأنظمة المتطورة قيمتها العملية بالكامل، ولهذا السبب أصبحت السيطرة على الطيف الترددي والاتصالات اللاسلكية لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض أو الجو نفسه.

الفضاء ساحة جديدة والهجوم السيبراني بلا حدود

وأعلن الموقع أن العالم يتجه بوضوح نحو تحويل الفضاء إلى ميدان صراع فعلي، لا مجرد مجال للاتصالات والمراقبة كما كان ينظر إليه سابقا، فالهند على سبيل المثال تعمل على تطوير قدرات مضادة للأقمار الصناعية عبر إنشاء وكالة مخصصة للفضاء الدفاعي، في خطوة تهدف إلى حماية مصالحها الاستراتيجية في الفضاء الخارجي وضمان استمرارية عمل أنظمتها العسكرية حتى في حال تعرضت أقمارها الصناعية لهجوم مباشر. 

وبالتوازي مع هذا التوجه، لم يعد الهجوم بحاجة إلى عبور حدود جغرافية تقليدية على الإطلاق في ظل انتشار الأسلحة السيبرانية، إذ تتيح هذه الأسلحة استهداف الشبكات العسكرية والبنية التحتية الحيوية لدولة ما عن بعد بالكامل، سواء لشل الاتصالات أو تعطيل أنظمة القيادة والسيطرة أو حتى تعطيل مرافق مدنية حساسة، وهذا البعد اللاحدودي يجعل من الحرب السيبرانية أداة استراتيجية بالغة الخطورة يمكن استخدامها في زمن السلم كما في زمن الحرب، ودون سابق إنذار واضح يسمح بالاستعداد أو الرد.

الليزر يخفض الكلفة والتكامل يصنع التفوق الحقيقي

وأكد الموقع أن الدول تتجه أيضا نحو تطوير أسلحة الليزر كبديل فعال لأنظمة الاعتراض التقليدية، فعلى عكس الصواريخ الاعتراضية المكلفة والمحدودة العدد، توفر أسلحة الليزر إمكانية استهداف فوري ومتكرر بتكلفة أقل بكثير، وهو ما يجعلها خيارا استراتيجيا مهما لمواجهة تهديدات متزايدة كأسراب الطائرات بدون طيار والصواريخ فرط الصوتية، دون استنزاف الترسانة التقليدية. 

لكن القاسم المشترك بين هذه التقنيات جميعا ليس التقنية نفسها بمعزل عن غيرها، بل قدرتها على العمل ضمن منظومة واحدة متكاملة، فالدول التي تتسابق اليوم لا تكتفي بامتلاك سلاح متطور بمفرده، بل تسعى لربط الأقمار الصناعية بالرادارات، والرادارات بالذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي بمنظومات السلاح نفسها، في شبكة واحدة قادرة على الرصد والتحليل واتخاذ القرار والتنفيذ في زمن قياسي.

إن هذا التكامل، لا التفوق التقني المنفرد، هو ما سيمنح الدول ميزتها الحاسمة في ساحة المعركة المستقبلية، إذ لن يكسب الحرب القادمة بالضرورة من يملك أقوى سلاح، بل من يملك أذكى شبكة تربط بين كل أسلحته معا.