اكتشف باحثون أن الخلايا التائية المنشطة قادرة على استشعار صلابة الأنسجة المحيطة بها، ثم إعادة تنظيم طريقة عملها استجابة لهذه الخصائص الفيزيائية.
وأظهرت الدراسة أن الخلايا التائية الموجودة في بيئة أكثر صلابة تغير شكلها، وتبطئ حركتها، وتفعّل آليات إصلاح الحمض النووي، كما تبدأ برنامجا جينيا يشبه ذلك الموجود في خلايا الذاكرة المناعية طويلة الأمد.
ونشرت نتائج البحث في وقت سابق في مجلة Nature Immunology.
ولا يتعلق الأمر بحاسة اللمس بالمعنى المعتاد، وإنما بما يعرف باسم الاستشعار الميكانيكي، أي قدرة الخلية على إدراك الضغط والمقاومة ودرجة صلابة البيئة المحيطة بها، ثم تحويل هذه المؤثرات الفيزيائية إلى استجابة بيولوجية.
الخلايا المناعية تستشعر البيئة المحيطة ( مصدر الصور: Freepik )
كيف تتكون الذاكرة المناعية؟
بعد الإصابة بعدوى، تعمل بعض الخلايا التائية من نوع CD8+ على تدمير الخلايا المصابة ومساعدة الجسم على التخلص من العدوى.
وبعد انتهاء الاستجابة المناعية، تختفي معظم هذه الخلايا، بينما تتحول مجموعة منها إلى خلايا ذاكرة قادرة على الاستجابة بسرعة عند مواجهة العامل الممرض مرة أخرى.
ومن أهم هذه الخلايا الخلايا التائية الذاكرة المقيمة في الأنسجة.
وعلى عكس الخلايا التي تنتقل باستمرار عبر الدم والجهاز اللمفاوي، تبقى هذه الخلايا داخل الجلد والرئتين والأمعاء والكبد وأعضاء أخرى.
وعند عودة العامل الممرض، تستطيع هذه الخلايا التعرف إلى الخطر بسرعة وإطلاق استجابة دفاعية محلية في النسيج المصاب.
صلابة الأنسجة تؤثر في الخلايا التائية
كان العلماء يربطون تكوين هذه الخلايا بشكل أساسي بالإشارات الكيميائية التي تتلقاها الخلايا المناعية.
لكن الباحثين في الدراسة الجديدة افترضوا أن المسار الذي تسلكه الخلية التائية أثناء تحركها داخل الأنسجة قد يؤدي دورا أيضا.
وتختلف الأعضاء بشكل كبير من حيث الكثافة والبنية وقدرتها على مقاومة التشوه. لذلك لا يتعين على الخلية المناعية التعرف إلى الإشارات الجزيئية فقط، بل عليها أيضا التحرك فعليا بين ألياف المصفوفة خارج الخلية.
وقالت جوديث ماندل، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء بجامعة ماكغيل والمؤلفة الرئيسية للدراسة، إن النتائج تظهر أن الخلايا التائية تستطيع الإحساس بالبيئة المحيطة والتكيف معها.
وبحسب الباحثة، تصبح البيئة الفيزيائية في هذه الحالة عاملا نشطا يمكن أن يؤثر في سلوك الخلايا المناعية.
كيف اختبر العلماء قدرة الخلايا على الإحساس؟
أجرى الباحثون تجارب على خلايا تائية من نوع CD8+ مأخوذة من الفئران والبشر بعد تنشيطها.
ووضعوا الخلايا داخل هلامات ثلاثية الأبعاد مصنوعة من الكولاجين، صممت لمحاكاة أنسجة تختلف في درجة الصلابة.
وكان أحد أنواع المصفوفات أكثر ليونة، بينما كان النوع الآخر يقاوم التشوه بقوة أكبر بنحو ثلاثة أضعاف.
وحاول الباحثون إبقاء الخصائص الأخرى للبيئة متشابهة، حتى يتمكنوا من تحديد ما إذا كانت الاستجابات التي ظهرت ناتجة بالفعل عن الحمل الميكانيكي واختلاف الصلابة، وليس عن اختلاف التركيب الكيميائي.
وفي الكولاجين الأكثر صلابة، تحركت الخلايا التائية ببطء أكبر، وأصبحت أكبر حجما وأكثر استدارة.
كما تغير حجم وشكل نوى الخلايا.
وبعد مرور 24 ساعة، أصبحت هذه الاختلافات أكثر وضوحا مقارنة بما كانت عليه بعد ثماني ساعات، ما يشير إلى أن الاستجابة تزداد مع بقاء الخلايا في البيئة الأكثر صلابة.
تقوية نواة الخلية وإصلاح الحمض النووي
في الوقت نفسه، ارتفع إنتاج بروتيني لامين A ولامين C، اللذين يشكلان نوعا من الهيكل الداعم حول نواة الخلية.
وتحتوي معظم خلايا الدم البيضاء على مستويات منخفضة نسبيا من هذه البروتينات، إذ تساعد النواة الأكثر ليونة هذه الخلايا على المرور عبر المساحات الضيقة بين الأنسجة.
لكن عند تعرض الخلايا التائية لقوى ميكانيكية أكبر، يبدو أنها تحتاج إلى تقوية غلاف النواة لحماية المادة الوراثية الموجودة داخلها.
وظهرت الاستجابة نفسها لدى الخلايا التائية CD8+ المأخوذة من الفئران والبشر.
وفي التجارب التي استخدمت خلايا بشرية، اعتمد الباحثون على عينات دم من متطوعين أصحاء تتراوح أعمارهم بين 29 و38 عاما، وتراوح عدد المشاركين بحسب نوع التحليل بين خمسة و11 شخصا.
الضغط الميكانيكي يؤثر في الحمض النووي
لم يكن تحرك الخلايا عبر البيئة الكثيفة مرتبطا فقط بتغير شكل الخلايا التائية.
فقد اكتشف الباحثون أيضا علامات على حدوث أضرار في الحمض النووي، تلتها عملية تنشيط لآليات إصلاح هذه الأضرار.
وبلغت نسبة الخلايا التي سجلت مستويات مرتفعة من مؤشر يشير إلى حدوث كسور مزدوجة في الحمض النووي 3.1 أضعاف في الهلام الصلب مقارنة بالهلام اللين.
كما ارتفع نشاط أحد البروتينات المسؤولة عن تنظيم استجابة الخلية لتلف المادة الوراثية بمقدار 1.6 مرة.
وفي الوقت نفسه، أبطأت الخلايا انقسامها مؤقتا.
ففي البيئة الصلبة، كانت نسبة 53% من الخلايا التائية في المرحلة الأولى من دورة الخلية، مقارنة بـ 27% في البيئة اللينة.
وكان العدد الإجمالي للخلايا داخل الكولاجين الصلب أقل بنحو الضعف، لكن الباحثين لم يلاحظوا انخفاضا واضحا في قدرتها على البقاء.
وهذا يشير إلى أن الضغط الميكانيكي لا يعيق حركة الخلايا فحسب، بل يدفع الخلايا التائية إلى إعادة توزيع مواردها، من خلال إبطاء التكاثر وتقوية النواة وإصلاح أضرار الحمض النووي.
صلابة الأنسجة تغير نشاط آلاف الجينات
ظهرت أكبر الاختلافات عند تحليل نشاط الجينات.
فقد وجد الباحثون أكثر من 9100 جين يختلف مستوى نشاطها بين الخلايا التائية الموجودة في الهلامات اللينة وتلك الموجودة في الهلامات الصلبة.
ومن بين هذه الجينات، ارتفع نشاط نحو 3600 جين بأكثر من الضعف في البيئة الأكثر كثافة.
وشملت التغيرات جينات مرتبطة بحركة الخلايا وإعادة تنظيم هيكلها الداخلي والتصاق الخلايا بعضها ببعض وإصلاح الحمض النووي ونقل الإشارات الميكانيكية.
لكن النتيجة الأهم كانت تنشيط برنامج جيني يشبه الحالة التي تتميز بها الخلايا التائية الذاكرة المقيمة في الأنسجة.
ومن أصل 55 جينا تدخل ضمن الخصائص الرئيسية لهذه الخلايا، استجاب 42 جينا للتغير في صلابة البيئة.
الخلايا التائية تصبح أكثر ارتباطا بالأنسجة
في الكولاجين الأكثر صلابة، انخفض نشاط الجينات التي تساعد الخلايا التائية على العودة إلى مجرى الدم والأعضاء اللمفاوية.
وفي المقابل، ارتفع نشاط الجينات المرتبطة ببقاء الخلايا داخل الأنسجة وتحولها إلى نوع من الحماية المناعية المحلية.
كما أثرت الأحمال الميكانيكية في البروتينات التنظيمية Runx3 وHic1 وKLF2.
ويشارك البروتينان الأول والثاني في تكوين خلايا الذاكرة المقيمة في الأنسجة، بينما يساعد انخفاض نشاط KLF2 الخلايا التائية على البقاء داخل الأعضاء بدلا من العودة إلى الدورة الدموية.
وسجل الباحثون أيضا زيادة مماثلة في نشاط RUNX3 لدى الخلايا التائية البشرية من نوع CD8+.
الخلايا احتفظت بأثر ميكانيكي
استمرت بعض التغيرات حتى بعد إخراج الخلايا من الكولاجين الصلب ووضعها لمدة 24 ساعة في بيئة سائلة عادية.
وتشير هذه النتيجة إلى احتمال وجود نوع من الذاكرة الميكانيكية لدى الخلايا، وإن كان العلماء لم يحددوا بعد مدة استمرار هذه الحالة وما إذا كانت قابلة للعكس بالكامل.
وفي تجربة أخرى، أدخل الباحثون خلايا تائية من الفئران عولجت في هلام لين أو صلب إلى حيوانات أخرى.
وبعد سبعة أيام، كانت الخلايا التي تعرضت سابقا للبيئة الصلبة أكثر ميلا بنحو الضعف إلى اكتساب خصائص الخلايا التائية الذاكرة المقيمة في الأنسجة.
اختلاف صلابة الأعضاء أثناء المرض
قارن الباحثون أيضا الخصائص الميكانيكية لأعضاء مختلفة لدى الفئران.
ووجدوا أن الكبد والرئتين والكليتين والغدد اللعابية كانت أكثر صلابة بنحو 10 مرات من العقد اللمفاوية والطحال.
وبعد الإصابة بعدوى فيروسية، ازدادت صلابة الطحال في ذروة الاستجابة المناعية بنحو ستة أضعاف.
وافترض الباحثون أن التغيرات الميكانيكية التي تحدث في الأعضاء اللمفاوية أثناء المرض قد تهيئ الخلايا التائية مسبقا للانتقال إلى أنسجة أكثر كثافة.
أهمية الاكتشاف في علاج السرطان
تحظى قدرة الخلايا التائية على الاستشعار الميكانيكي باهتمام خاص في مجال علاج السرطان.
فالكثير من الأورام الصلبة تكون محاطة بمصفوفة خارج خلوية كثيفة يمكن أن تعيق دخول الخلايا المناعية.
وحتى عندما تتمكن الخلية التائية من التعرف إلى الورم، فإن عليها الوصول إلى الخلايا السرطانية والحفاظ على قدرتها على الحركة داخل البيئة الصلبة المحيطة بالورم.
وقد يساعد فهم الطريقة التي تتكيف بها الخلايا التائية مع هذه الظروف مستقبلا في تطوير أساليب جديدة للعلاج المناعي.
فعلى سبيل المثال، يمكن للباحثين محاولة تهيئة الخلايا مسبقا للتعامل مع البيئة الكثيفة داخل الأورام، أو تعديل الآليات التي تتحكم في حركتها وقدرتها على البقاء واستقرارها داخل الأنسجة.
وفي عام 2026، أظهرت مجموعة أخرى من الباحثين في دراسة نشرت في مجلة Nature Communications أن المصفوفة خارج الخلية في سرطان الثدي الثلاثي السلبي يمكن أن تحد من دخول الخلايا التائية وتدعم تثبيط الاستجابة المناعية.
وأدى تعديل بعض المركبات السكرية الموجودة على بروتينات المصفوفة إلى تحسين وصول الخلايا التائية إلى النسيج السرطاني وتقليل علامات إنهاكها.
وتشير الدراستان معا إلى أن البيئة المحيطة بالورم لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حاجزا ماديا فقط، بل باعتبارها عاملا نشطا يشارك في تنظيم العمليات المناعية.
الدراسة لا تقدم علاجا جاهزا
رغم النتائج المهمة، لا تقدم الدراسة الجديدة في الوقت الحالي طريقة علاج جاهزة للاستخدام.
فقد أجريت معظم التجارب على خلايا فأرية داخل مصفوفات كولاجين صناعية وعلى حيوانات، بينما جرى تأكيد جزء فقط من الاستجابات المكتشفة باستخدام خلايا بشرية خارج الجسم.
لذلك لا يزال من الضروري إجراء دراسات إضافية قبل إمكانية تحويل هذه النتائج إلى تطبيقات علاجية.
كيف تستشعر الخلايا صلابة الأنسجة؟
يبقى السؤال الرئيسي الذي لم يحسمه الباحثون هو الآلية التي تسمح للخلايا التائية بقياس صلابة البيئة المحيطة بها.
واختبر العلماء عدة مسارات معروفة مرتبطة بالاستشعار الميكانيكي، من بينها بروتينات YAP وTAZ، والإنتغرينات، وإنزيم cPLA2، والميوسين II، وبروتينات لامين A ولامين C.
لكن أيا من هذه المسارات لم يظهر باعتباره المفتاح الرئيسي المسؤول عن تشغيل البرنامج المرتبط بتكوين الذاكرة المناعية المقيمة في الأنسجة.
فوائد محتملة ومخاطر محتملة
يحتاج العلماء أيضا إلى معرفة المدة التي تستمر خلالها الحالة التي تتشكل نتيجة التعرض للضغط الميكانيكي، وما إذا كان من الممكن التحكم فيها بأمان.
وقد يكون تعزيز بقاء الخلايا المناعية داخل الأنسجة مفيدا في مكافحة العدوى والأورام، لكن هذه الخلايا نفسها قد تساهم في استمرار الالتهابات المزمنة والحساسية ورفض عمليات زرع الأعضاء وبعض أمراض المناعة الذاتية.
ولهذا يمكن أن تتطور التطبيقات العلاجية المحتملة في اتجاهين مختلفين.
فقد يكون من المفيد تعزيز استقرار الخلايا التائية داخل الأورام ومواقع العدوى، بينما قد يكون من الأفضل منع بقائها لفترات طويلة داخل الأنسجة السليمة التي تهاجمها هذه الخلايا عن طريق الخطأ.
تغير جديد في فهم عمل المناعة
في الوقت الحالي، تكمن أهمية الدراسة بشكل أساسي في تغيير الفهم الأساسي لطريقة عمل الجهاز المناعي.
فالنتائج تشير إلى أن مصير الخلايا التائية لا تحدده الإشارات الكيميائية التي تستقبلها فقط، بل يمكن للخصائص الفيزيائية للبيئة المحيطة بها أيضا أن تؤثر في سلوكها.
وبعبارة أخرى، فإن العالم الفيزيائي الذي تتحرك خلاله الخلايا التائية داخل الجسم قد يؤدي دورا في تحديد قدرتها على البقاء وتكوين ذاكرة مناعية طويلة الأمد.