عثر علماء آثار في أعماق كهف إسباني على اكتشاف غير متوقع تمثل في 120 نقشا قديما محفورا على الجدران، وجميعها مرتبطة بكيان آلهي لم يكن معروفا من قبل.
ويقع الكهف في غرب إسبانيا، ويحمل اسم كوفا دي ليس دونيس، أي «كهف النساء».
وكان الموقع معروفا لفترة طويلة بسبب الرسومات التي تعود إلى العصر الحجري القديم، ومن بينها صور لثيران البيسون ورؤوس الخيول.
لكن بعثة أثرية بقيادة أيتور رويس ريدوندو وفيرجينيا بارسيلا اكتشفت في أعماق الكهف حجرة كانت تخفي ملاذا رومانيا .
120 نقشا رومانيا

اكتشاف ملاذ روماني داخل كهف إسباني ( مصدر الصور: جامعة أليكانتي )
في البداية، قدر الباحثون أن النشاط الديني في الموقع يعود إلى العصر الروماني استنادا إلى 15 نقشا وعملة نقدية تعود إلى عهد الإمبراطور كلوديوس.
لكن خلال الدراسات الحديثة، ارتفع عدد الأدلة الكتابية المكتشفة إلى 120 نقشا.
ويعد هذا العدد رقما قياسيا بالنسبة إلى المواقع المشابهة في أراضي الإمبراطورية الرومانية السابقة.
وتتركز النقوش في الجزء الأبعد من الكهف، على مسافة تزيد على 200 متر من المدخل.
ويرى عالم الكهوف سيرخيو غارسيا ديلس أن هذا التوزيع يؤكد أن النشاط الديني داخل الكهف كان منظما، ولم يكن مجرد استخدام عشوائي للمكان.
آلهة لم تكن معروفة من قبل
تكمن المفاجأة الأكبر في اسم «مالاتشي»، الذي ورد في ثلاثة نصوص على الأقل.
ويربط الباحثون هذا الاسم بآلهة لم تكن معروفة سابقا ضمن مجمع الآلهة الروماني أو غيره من المجموعات الدينية المعروفة.
ويشير اللقب «دومينا»، الذي يعني «السيدة»، إلى أن الآلهة كانت أنثى.
ويرتبط هذا الكيان الإلهي على ما يبدو بعنصر الماء، إذ توجد داخل الملاذ أحواض طبيعية من الحجر الجيري.
أحواض مائية وطقوس دينية
تشير طبيعة المكان إلى أن المياه الموجودة داخل الكهف ربما كانت جزءا من الممارسات المرتبطة بالعبادة.
ويحاول الباحثون حاليا فهم طبيعة الطقوس التي كانت تقام في هذا المكان، والسبب الذي دفع الناس في العصر الروماني إلى التوغل لأكثر من 200 متر داخل الكهف للوصول إلى المنطقة التي تتركز فيها النقوش.
ويعتقد العلماء أن اختيار هذه المنطقة العميقة من الكهف لم يكن مصادفة، بل قد يكون مرتبطا بالطبيعة المقدسة التي اكتسبها الموقع.
أدوات مرتبطة بالنساء
عثر علماء الآثار أيضا على عدد كبير من المغازل، وهي أدوات كانت تستخدم في العصور القديمة لصناعة الخيوط.
وكانت هذه الأدوات مرتبطة تاريخيا بالأنشطة النسائية.
وترى فيرجينيا بارسيلا أن هذه المغازل ربما كانت قرابين قدمها زوار الملاذ للآلهة.
كما أن اسم الكهف، الذي بقي محفوظا في اللغة المحلية، يتوافق مع هذه المكتشفات ويرتبط بفكرة النساء.
موقع مقدس منذ آلاف السنين
لم تكن الآثار الرومانية هي الأدلة الوحيدة على الأهمية الدينية للموقع.
فقد عثر الباحثون في وقت سابق على قطع أثرية تعود إلى العصر الحديدي، إضافة إلى آثار تشير إلى أن البشر أجروا تعديلات على تضاريس الكهف.
وتشير هذه الأدلة مجتمعة إلى أن الكهف ربما حافظ على أهميته المقدسة عبر فترات زمنية طويلة، بدءا من العصر الحجري ووصولا إلى العصر الروماني.
ويعني ذلك أن الموقع قد يكون شهد ممارسات دينية متعاقبة استمرت لآلاف السنين، رغم اختلاف الثقافات والمجتمعات التي استخدمته.
البحث عن جذور عبادة «مالاتشي»
يعمل العلماء حاليا على تحديد مدى عمق جذور عبادة مالاتشي، وما إذا كان ظهورها في العصر الروماني يمثل بداية العبادة في الموقع أم أنها امتداد لتقاليد دينية أقدم.
كما يحاول الباحثون فهم هوية هذه الآلهة الغامضة وطبيعة الطقوس التي كانت تمارس داخل الكهف، وما إذا كانت مرتبطة بالمياه أو بالنساء أو بكلا العنصرين معا.
وقد تساعد دراسة النقوش والقطع الأثرية والخصائص الطبيعية للكهف على كشف المزيد من أسرار هذه العبادة التي بقيت مجهولة حتى اكتشاف الأدلة الجديدة.