توصل علماء إلى أن بعض أهم التغيرات التي تسهم في تكوين الاختلاف الجيني بين البشر لا تحدث فقط أثناء تكوين الخلايا الجنسية، بل تبدأ في مرحلة أبكر بكثير مما كان يعتقد سابقا.
وأظهرت دراسة دولية جديدة أن إحدى الآليات المسؤولة عن إنتاج التنوع الجيني في الحيوانات المنوية تبدأ قبل مرحلة الانقسام الاختزالي، وهي المرحلة النهائية من انقسام الخلايا التي تؤدي إلى تكوين الحيوانات المنوية.
ونشرت مجموعة دولية من الباحثين من معهد ويلكوم سانجر وجامعة كامبريدج نتائج الدراسة في مجلة Nature، مقدمة أدلة جديدة يمكن أن تغير الفهم التقليدي لكيفية تشكل التنوع الجيني لدى الإنسان.
كيف يتشكل التنوع الجيني؟
يحصل كل طفل على تركيبة فريدة من الحمض النووي من والديه.
ويأتي جزء أساسي من هذا التنوع من عملية تعرف باسم إعادة التركيب الجيني، حيث يحدث تبادل لأجزاء من الكروموسومات أثناء تكوين الخلايا الجنسية.
لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن هذه العملية ليست الآلية الوحيدة التي يمكن أن تسهم في تشكيل الاختلافات الجينية، وأن بعض التغيرات تبدأ في وقت أبكر من المرحلة التي كان العلماء يعتقدون أنها مسؤولة عنها بشكل أساسي.
ما هو التحويل الجيني غير التبادلي؟
ركز الباحثون على آلية تعرف باسم التحويل الجيني غير التبادلي.
وتحدث هذه العملية عندما يتم نسخ مقطع قصير من الحمض النووي من كروموسوم إلى كروموسوم آخر.
وكان الاعتقاد السائد لدى علماء الأحياء أن هذه الأحداث تحدث حصريا أثناء الانقسام الاختزالي، وهو الانقسام الخلوي النهائي الذي يؤدي إلى تكوين الحيوانات المنوية.
لكن تحليل عينات من الحيوانات المنوية أظهر صورة مختلفة.
اكتشاف يغير فهم التنوع الجيني ( مصدر الصور: Unsplash )
تحليل أكثر من 2300 تغير جيني
حلل الباحثون 15 عينة من الحيوانات المنوية مأخوذة من متبرعين من أعمار مختلفة.
واستخدموا تقنية عالية الدقة لتسلسل الحمض النووي تعتمد على القراءات الطويلة، وهي تقنية تسمح بتحليل مناطق واسعة من المادة الوراثية بدقة أكبر في بعض أنواع الدراسات الجينية.
ومن خلال هذا التحليل، تمكن العلماء من اكتشاف أكثر من 2300 حدث من أحداث التحويل الجيني.
لكن المفاجأة كانت أن بعض هذه الأحداث حملت علامات جزيئية ترتبط بآليات إصلاح الحمض النووي الطبيعية، وليس بالانقسام الاختزالي وحده.
التغيرات تبدأ قبل تكوين الحيوانات المنوية
تحدث عمليات إصلاح الحمض النووي بصورة طبيعية في الخلايا الجسدية طوال حياة الإنسان، إذ يعمل الجسم باستمرار على إصلاح الأضرار التي تصيب المادة الوراثية.
ووجد الباحثون أن بعض التحويلات الجينية التي ظهرت في الحيوانات المنوية تحمل خصائص مرتبطة بهذه الآلية الطبيعية لإصلاح الحمض النووي.
وهذا يشير إلى أن بعض التغيرات الجينية تحدث قبل بدء الانقسام الاختزالي، وتحديدا خلال مراحل الانقسام الخلوي العادي التي تسبق المرحلة النهائية لتكوين الحيوانات المنوية.
وبذلك، فإن تشكيل الاختلاف الجيني في الحيوانات المنوية قد يبدأ في وقت أبكر بكثير مما كان معروفا.
حتى التوائم المتطابقة ليست متشابهة تماما
من أكثر النتائج إثارة للاهتمام في الدراسة أن معدل حدوث هذه التغيرات الجينية ومواقعها داخل الجينوم يختلفان بين الأشخاص.
والأكثر لفتا للانتباه أن هذه الاختلافات ظهرت حتى بين التوائم المتطابقة.
وتشير هذه النتيجة إلى أن التنوع الجيني لا يعتمد فقط على المعلومات الوراثية التي يرثها الإنسان من والديه، بل يمكن أن يتأثر أيضا بعمليات بيولوجية فريدة تحدث داخل كل جسم.
وهذا يضيف طبقة أخرى إلى فهم العلماء للطريقة التي تتشكل بها الاختلافات الجينية بين الأفراد.
مناطق غير مستقرة في الجينوم
لاحظ الباحثون أيضا أن عمليات التحويل الجيني تحدث في كثير من الأحيان داخل مناطق غير مستقرة من الجينوم.
وهذه المناطق تكون أكثر عرضة لحدوث كسور في الحمض النووي.
وتشير النتائج إلى أن الطريقة التي يتعامل بها الجسم مع هذه الكسور ويصلحها قد تؤثر بصورة مباشرة في ظهور بعض التغيرات الوراثية.
ويعتقد الباحثون أن فهم هذه الآليات قد يساعد مستقبلا في دراسة العلاقة بين عمليات إصلاح الحمض النووي وبين بعض الأمراض الوراثية.
أهمية الاكتشاف للصحة الإنجابية
لا يعني اكتشاف هذه الآلية أن كل تغير يحدث في الحيوانات المنوية يؤدي إلى مرض وراثي، لكن النتائج توفر فهما أعمق للعمليات التي يمكن أن تؤثر في المادة الوراثية الموجودة في الخلايا الجنسية.
وقد تفتح هذه المعرفة طرقا جديدة لدراسة الصحة الإنجابية لدى الرجال، وفهم كيفية ظهور بعض الاختلافات الجينية أو التغيرات التي يمكن أن تنتقل إلى الأجيال التالية.
كما يمكن أن تساعد الدراسات المستقبلية في تحديد العوامل التي تؤثر في عمليات إصلاح الحمض النووي داخل الخلايا التي تؤدي إلى تكوين الحيوانات المنوية.
وتشير الدراسة في مجملها إلى أن المرحلة التي يبدأ فيها تشكل التفرد الجيني للإنسان قد تكون أبكر وأكثر تعقيدا مما كان يعتقد سابقا.